يقول شمس الدين التبريزي: “إن المرء مع من لا يفهمه سجين.” لا أدري كيف غاب عني أن السجون تتجاوز كونهـا قضبانًا باردة وجدرانًا عالية..! بعضها يُشيَّد من صمتٍ متواطئ، من أحاديث تدور في الفراغ دون أن تمسّني، ومن وجوه مألوفة لا تعكسني.
عشرة أعوام وأنا أتحرك داخل قاعة واسعة، لكن حدودها لا تتجاوز تلك الأسئلة اليومية التي لا تنتظر إجابة: ماذا طبختِ اليوم؟ هل شاهدتِ المباراة؟ أسئلةٌ لا تُطرح للمعرفة، إنما لإبقاء الهواء دافئًا، ولإشغال الوقت الفائض عن الحاجة. وأنا…! أقف هناك وأجيب بنصف صوت أو أبتسم.
الوحدة تتخطى فكرة أن تكون وحيدًا، فهي أن تكون محاطًا بأشخاص لا يسمعون، لا يرون، يعتقدون أن الحياة محض تبادل كلامٍ يُستهلك قبل أن يُقال.. يظنّون أن السؤال عن الطقس حديث، وأن وصفةً جديدة للقهوة كفيلة بأن تمنح يومهم معنى.
لكنني تعلّمت أن السجين الجيد لا يركض باتجاه الجدار محاولًا هدمه، وإنما يحوّله إلى نافذةٍ يرى منها بعيدًا، حيث الحياة أكثر اتساعًا…! هكذا أتقنتُ دور الحاضر الغائب؛ أرفع الفنجان إلى شفتي كما يفعلون، أتابع حديثهم كما لو أنني هناك، ثم أعود إلى سجني الناعم، حيث لي وحدي حق الفهم والنجاة.

من أروع ما قرأت اليوم ! شكرًا!