بلا تواريخ .؟

لا أحب التخطيط لأي شيء مسبقًا.

جربت أكثر من مرة أن أضع جدولًا ليومي، أن أحدد الساعة التي أبدأ فيها، والوقت الذي يجب أن أنتهي عنده، والمهام التي يفترض أن تُنجز في خانة صغيرة من اليوم. لكنني في كل مرة كنت أجد نفسي مضغوطة أكثر .

أنا بطبعي بطيئة الرتم. أحتاج أن أتحرك على مهل، أن أفعل الأشياء حين أستطيع، أعرف جيدًا المهام التي تنتظرني، لا أنساها، ولا أحتاج غالبًا إلى أن أكتب لها موعدًا محددًا. هي تبقى في ذهني، وتُنجز في النهاية، بطريقة ما، دون أن أضعها داخل جدول صارم.

المشكلة ليست في التخطيط نفسه، أعرف أنه يناسب كثيرين، و أحيانًا أحب أن أتابع الناس الذين يخططون بدقة، يكتبون قوائمهم، يلونون جداولهم، ويضعون تواريخ لكل شيء. أراقبهم بإعجاب، وأفكر: ليتني أستطيع أن أكون مثلهم.

لكنني في كل مرة أحاول، أفهم نفسي أكثر.

لا يناسبني أن أضع تاريخًا محددًا لإنهاء مهمة ما، لأنني غالبًا أتجاوزه، ثم أبدأ بالشعور بالذنب بدل أن أبدأ بالعمل. يتحول التاريخ من وسيلة مساعدة إلى عبء إضافي، ومن تذكير بسيط إلى ضغط داخلي ثقيل.

لذلك صرت أختار طريقة أبسط… أعرف ما عليّ فعله، وأترك له مساحة أن يحدث دون مطاردة. لا يعني هذا أنني فوضوية تمامًا، ولا أنني لا أنجز، لكنني لا أعمل جيدًا تحت فكرة العدّ التنازلي. عقلي لا يحب أن يُحاصر بالوقت، ولا أن يُدفع دفعًا نحو نهاية محددة.

أحتاج مساحة.
أحتاج أن أتحرك بطريقتي.

وبصراحة بدأت أتصالح مع فكرة أن التنظيم لا يعني الشكل نفسه عند الجميع. أحيانًا يكون التنظيم أن تعرف إيقاعك، أن تفهم ما يرهقك، وأن تكف عن استعارة طرق لا تشبهك.

بالنسبة لي، بدون ضغط يعني بدون تواريخ صارمة وجدولة خانقة.
وبطء الرتم لا يعني التوقف. أحيانًا يعني فقط أنني أصل، لكن بطريقتي.

اللوحة لـ يوهانس فيرمير

حتى إشعار آخر ….

كنت أظن أن الانشغال شكل من أشكال النجاة.
أن يمتلئ اليوم حتى حافته يعني أنني أمسك بالحياة من طرفها الصحيح، وأن اليدين حين تعملان، والعقل حين يركض، والقلب حين يؤجل رغباته الصغيرة، تصبح الأيام ذات معنى أوضح.

كبرت الفكرة في داخلي مع الوقت. صارت عادة، ثم صارت طباعًا. أفتح عيني على عمل ينتظرني، وأغلقهما على عمل آخر تركته للغد. وبين الفتح والإغماض، يمرّ النهار كقطار طويل، أسمع صوته، أرى ظله، وأبقى في مكاني، أرتب أوراقي، أجيب الرسائل، ألاحق موعدًا، أؤجل موعدًا، وأضع الراحة في آخر الدفتر.

كانت هناك أشياء صغيرة تحبني، وأنا أؤخر الوصول إليها.
مشوار قصير في شارع أعرفه، قهوة في مكان واسع، لقاء مع أشخاص يفتحون القلب، مساء يمر على مهل، احتفال بسبب صغير، ضحكة تنتهي من نفسها. كلها بقيت واقفة عند الباب، وأنا ألوّح لها من بعيد: بعد هذا العمل، بعد هذا المشروع، بعد هذه المرحلة، بعد أن يخفّ الحمل قليلًا.

ثم اكتشفت أن الحِمْل يعرف كيف يلد حِمْلًا آخر.
وأن العمل حين يأخذ مكانه في الوسط، يدفع كل شيء حوله إلى الأطراف. صرت أحضر في العالم كضيفة عابرة، وأقيم في الشغل كمنزل دائم. أعرف مواعيد التسليم أكثر من مواعيد الأصدقاء، وأعرف طريق المكتب أكثر من طريق الهواء الطلق، وأعرف تعبي معرفة حميمة، كأنه فرد من العائلة.

انسحابي من الناس حدث على مهل. بدأ باعتذار صغير، ثم تأجيل زيارة، ثم صمت طويل، ثم اتساع مسافة. صرت أفضّل العمل على الخروج، وأفضّل الإنجاز على الجلسة، وأفضّل أن أبقى قريبة من الأشياء التي أستطيع التحكم بها. في العمل ترتيب واضح، بداية ونهاية، ملف يُغلق، مهمة تُنجز، اسم يُكتب في قائمة. أما الراحة فتأتي واسعة، رخوة، وتطلب منّي أن أجلس مع نفسي، وأنا تعودت الهرب إلى الحركة.

صار الجلوس صعبًا علي.
أمدّ يدي إلى السكون فأرتبك. أبحث عن شيء أفعله، عن مهمة صغيرة، عن تفصيل مهمل، عن سبب يملأ الفراغ. كأن الفراغ مرآة، وكأنني أخشى أن أرى فيها امرأة تعبت من طول الوقوف.

ثم يأتي الندم، خفيفًا في البداية، ثم واضحًا مثل جملة مكتوبة على حائط. يأتي حين يهدأ البيت، حين تتوقف الأصوات، حين أسأل عمري أين ذهب. أراه في السنوات التي مرّت وأنا أقول: بعد قليل. أراه في المناسبات التي عبرت، في النزهات التي بقيت فكرة، في الأيام التي كان يمكن أن تكون أحنّ، في الراحة التي أجلتها حتى إشعار آخر.

العمر يمضي على غفلة. يمضي من غير ضجيج، من غير إعلان، ومن غير أن ينتظر أن ننهي أعمالنا. ونحن، في غمرة الانشغال، نغفل عن حقيقة بسيطة: أن الحياة تحتاج حضورًا، وأن الجسد يحتاج رفقًا، وأن الروح حين تؤجل طويلًا تبدأ في الابتعاد.

أريد أن أعود إلى نفسي كما يعود المسافر إلى بيت قديم.
أن أتعلم الجلوس من جديد، أن أترك يديّ فارغتين قليلًا، أن أمنح عقلي فسحة، أن أخرج في يوم عادي كأنه مناسبة، أن أحتفل بشيء صغير، أن أرى الناس من قرب، أن أستعيد وجهي من التعب.

أريد أن أصدق أن الراحة حق، وأنها جزء من العمل على الحياة. أريد أن أضع لها موعدًا واضحًا في أول الدفتر، لا في آخره. أريد أن أقول لنفسي: هنا، الآن، يكفي.
فهناك عمر يحدث في الخارج، وهناك قلب ينتظر أن يُدعى إلى حياته.

 

 

تدوينة كانت في المُعتقل لفترة طويلة و قررت أن أحررها اليوم .

ذاكِرة المكَان

أجمل ما في كتابة النصوص الإعلانية هو اللحظة التي تخرج فيها الكلمة من كونها “مهمة عمل” لتصبح جزءاً من روحنا.

في تعاوني الأخير مع متجر مختارات مَثَل لتقويم ٢٠٢٦، كان الشعور مختلفاً. لم نكن نصيغ إعلاناً بقدر ما كنا نبحث عن معنى لهذا العام الجديد. اقترحتُ عليهم تسميته “ذاكرة المكان”؛ لأني أؤمن أن الأيام لا تمر في الفراغ، هي تسكن في الزوايا، وتلتصق بالجدران، وتعيش في كل مكان نضع فيه بصمتنا.

أن تشارك في تسمية منتج، وتكتب نصوصه بحب مع فريق يقدر قيمة الكلمة، هو ما يجعل العمل الإبداعي ممتعاً بحق. “ذاكرة المكان” صار الآن اسماً لعام كامل ينتظرنا، وأنا سعيدة جداً بهذا الأثر.


مذكّرات

لم أكن أظن أنني سأعود إلى نصٍّ كتبته بيدٍ هادئة في لحظة عابرة من الصفاء، ثم أجده مغلّفًا بهذا الجمال، ينتظرني كأنني لست من كتب. اقتنيت “مذكّرات” لا بوصفي كاتبة، وإنما قارئة لأول مرّة.

الغلاف بما فيه من حنوّ البنفسج والطائر المتأمّل، شدّني قبل أن أتذكّر أن كلماتي تختبئ في الصفحات الأولى. وكم هو غريبٌ أن تُهدى كلماتك إليك..! ها هي عادت إليك وقد تغيّرت صارت أكثر هدوءًا، أكثر اتساعًا مما ظننتها.

في زمن تتشابه فيه الدفاتر وتتعجّل فيه الصفحات يأتي “مذكّرات” مختلفًا. غلافٌ مُصمم ليُحتضن، لا ليُعرض، وورق داخلي بذلك اللون الذي نحبّه في دفاترنا القديمة. وتفاصيل تُشبه أولئك الذين لا يكتبون كثيرًا، لكن حين يكتبون، يفعلون ذلك بصدق.

يمكنكم اقتناءه من هنا > مذكّرات | Memories

تفاصيل عاديّة

بعد ليلة طويلة وقد حلّت الثامنة صباحًا، انكمشت إلى سريري لأستسلم للنوم ! استيقظت على عجل عند الواحدة ظهرًا، وبدأت بإعداد الغداء السريع صدور دجاج مشوية، رز أبيض، وسلطة خفيفة.. ملّيت من الكبسة 🙂 أما بعد الظهيرة، فقد قضيتها في انتظار مندوب التوصيل والذي طال لأكثر من ثلاثة أسابيع، حيث تسلّمت حقيبتي الصغيرة من موقع JW PEI. ويا لها من سعادة صغيرة!

حلّت فترة العصرية سريعًا، ومعها قررت تأجيل قهوتي المعتادة إلى الساعة الثامنة مساءً. ومن النادر جدًا أن أغير عاداتي، ولكنني شعرت أن الوقت قد حان لأخرج من المنزل! نعم، لقد كنت أقسو على نفسي بحبسها داخله طوال الأيام الماضية.

 

عدت إلى المنزل نظرت إلى نفسي في المرآة! وتجدّد تأنيب الضمير و أجدني أردد ذلك الوعد القديم: “لازم أعدّل نظامي الغذائي و أنام بدري!” لكن ما زالت الحلويات والمشروبات الغازية والبطاطس المقلية أصدقاء لا أستطيع التخلي عنهم ربما يأتي يوم يحمل معه تغييرًا؟ من يدري…

ولأن الحزن على هذا الموضوع لا ينفع، قررت أن أضيء يومي بشيء يسعدني أثناء تصفحي اكتشفت متجرًا مليئًا بالجماليات المنزلية التي تأسرني وأدوات مطبخ بديعة، خصوصًا الأكواب التي لا أستطيع مقاومة حبها واقتنائها. اسم المتجر anthropologie. حقًا، اسمتعوا برؤية الجمال معي .

وفي ختام هذا اليوم المليء بالتفاصيل العادية ها أنا أخصص هذه اللحظة لأكتب شيئاً بسيطاً بلا تكلفة ، عسى أن تجدوا بين كلماتي بعضًا مما يشبه أيامكم.