ذاتٌ أُخرى… عن المكان الذي يلمس ما فينا

انتهيت من ذاتٌ أُخرى وبقيت أيامًا أفكر فيه.

حدث شيء غريب أثناء المشاهدة. بدأت المسلسل كحكاية عن ثلاث صديقات، ثم وجدتني أتابع نفسي من خلالهن. كل واحدة منهن تحمل خوفًا قديمًا، ورغبة في الفهم، وتعبًا يصعب شرحه بجملة واحدة. كنت أشاهدهن في علاقاتهن، في تردّدهن، في قلقهن، في حاجتهن لأن يعرفن من أين جاء كل هذا الثقل، وأشعر أن شيئًا في داخلي يتحرك.

المسلسل اقترب من الصدمات بطريقة إنسانية جدًا. جعلها تظهر في تفاصيل الحياة اليومية: في الجسد، في الحب، في الغضب، في الاختيارات المتكررة، في العلاقة مع الأم، في الصداقة، في الخوف من الفقد، وفي تلك اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن ما يحدث معه الآن له جذور أبعد من اللحظة نفسها.

أكثر ما أثر فيني أن التجربة تشبه الحياة. الفهم يأتي على مراحل. مرة على هيئة سؤال، ومرة على هيئة مواجهة، ومرة على هيئة تعب، ومرة على هيئة بكاء طويل بعد سنوات من التماسك. الشخصيات كانت تتغير وهي تمشي داخل وجعها، وكل تغيير صغير كان يبدو حقيقيًا. حقيقيًا بما يكفي لأن أصدقه، وأخاف منه، وأرى نفسي فيه.

وجدتني أفكر في الأشياء التي نحملها من غير أن نعرف اسمها. خوف قديم يسكن ردّة فعل عابرة. حزن يتكرر في علاقة جديدة. قلق ورثناه من بيت أو ذاكرة أو قصة عائلية. إحساس عميق بأن بعض ما نعيشه أكبر من أعمارنا، وأننا أحيانًا نحتاج أن نرجع إلى الجذر حتى نفهم شكل الغصن.

ثم جاء المكان وصار جزءًا من أثر المسلسل عليّ.

البلدة الساحلية، البحر، الأزقة، الضوء، البيوت، الأشجار، الطاولات، الوجوه التي تمر في الخلفية، كل شيء كان يصنع شعورًا كاملًا. المكان كان يحمل الشخصيات مثل كف مفتوحة. يمنحهن مساحة للكلام، وللصمت، وللرجوع إلى الذاكرة. لم أشعر أنني أشاهد ديكورًا جميلًا، شعرت أنني داخل تجربة لها رائحة وحرارة وهواء.

كان البحر حاضرًا كمساحة واسعة للتنفس. الضوء يدخل على المشاهد كأنه يفتح شيئًا في الذاكرة. الشوارع الصغيرة تمنح الحكاية ألفة، والبيوت تجعل كل اعتراف قريبًا من القلب. أحببت هذا الاختيار كثيرًا، لأن المكان أعطى الحكاية روحها. صار التعافي مرتبطًا بالمشي، بالجلوس، بالنظر، بالوقت، وبالأشياء الصغيرة التي تجعل الإنسان يقترب من نفسه.

أفكر أحيانًا أن بعض الأماكن تساعدنا على سماع ما بداخلنا. هناك أماكن تدخلينها فيصبح قلبك أكثر استعدادًا للكلام. يتسع الهواء حولك، وتخفّ حدة الأصوات، وتشعرين أن ما كان عالقًا في صدرك بدأ يأخذ شكلًا مفهومًا. هذا ما فعله المكان في ذاتٌ أُخرى. جعل التجربة محسوسة. جعل الألم جزءًا من مشهد كامل، لا فكرة معلّقة في الفراغ.

ما شدّني أيضًا هو الصداقة. وجود النساء معًا، بكل اختلافاتهن، بكل خوفهن، بكل تناقضاتهن. الصديقة هنا ليست شخصية جانبية في حياة الأخرى، هي بيت آخر. مرآة، يد، ذاكرة، ونجاة مؤقتة حين تضيق الروح. أعجبني أن المسلسل جعل العلاقات بينهن تحمل دفئًا حقيقيًا، حتى في لحظات الارتباك والخذلان والاختلاف.

وأنا أشاهد صداقتهن، شعرت بشيء يشبه الغصّة. أعجبني قربهن من بعض، طريقتهن في الوجود معًا، أن لكل واحدة منهن امرأة تعرف خوفها وتقرأ صمتها وتجلس معها في اللحظات الثقيلة. بعد المسلسل تمنّيت أن تكون في حياتي صديقة قريبة بهذا الشكل. صديقة أفهمها وتفهمني، نذهب معًا إلى مكان بعيد، نحمل أسئلتنا، نتكلم عن الأشياء التي نخفيها عن الجميع، ونعود أخف قليلًا. كان في صداقتهن شيء افتقدته وأنا أتابعهن، شيء جعل الحكاية تمسني من مكان شخصي جدًا.

شعرت أنني قريبة من هذا كله. قريبة من فكرة أن الإنسان يظل يبحث عن سبب تعبه. قريبة من الخوف الذي يتكرر، ومن السؤال الذي يرجع في كل مرة بوجه جديد. لماذا أتصرف بهذه الطريقة؟ لماذا أرجع إلى الوجع نفسه؟ لماذا أخاف من أشياء تبدو بسيطة للآخرين؟ لماذا أشعر أن بعض المشاعر جاءت من مكان أقدم مني؟

هذه الأسئلة كانت تمشي معي أثناء المشاهدة. لم أنتظر من المسلسل إجابة جاهزة، كنت أحتاج أن أرى امرأة أخرى تحاول الفهم. أن أرى الوجع وهو يأخذ اسمًا. أن أرى الذاكرة وهي تخرج من الظل إلى الضوء. أن أرى الإنسان وهو يبدأ طريقًا نحو نفسه، حتى لو كان الطريق طويلًا ومتعبًا.

ذاتٌ أُخرى أعجبني لأنه جعلني أعيش التجربة لا أشاهدها فقط. جعلني أرى أثر المكان، وأثر الصداقة، وأثر الذاكرة، وأثر الجسد حين يحتفظ بما لا نقوله. جعلني أفكر في نفسي من زاوية مختلفة، وفي الصدمات التي تسكننا وتظهر في أبسط تفاصيلنا.

بعض الأعمال تبقى لأنها تلمس منطقة لا نعرف كيف نتكلم عنها. هذا المسلسل لمس تلك المنطقة فيّ. ترك داخلي أسئلة، وصورًا، وشعورًا طويلًا بأن التعافي يبدأ أحيانًا من لحظة صدق صغيرة، من مكان يشبهنا، ومن رغبة عميقة في أن نفهم لماذا صرنا كما نحن.

حتى إشعار آخر ….

كنت أظن أن الانشغال شكل من أشكال النجاة.
أن يمتلئ اليوم حتى حافته يعني أنني أمسك بالحياة من طرفها الصحيح، وأن اليدين حين تعملان، والعقل حين يركض، والقلب حين يؤجل رغباته الصغيرة، تصبح الأيام ذات معنى أوضح.

كبرت الفكرة في داخلي مع الوقت. صارت عادة، ثم صارت طباعًا. أفتح عيني على عمل ينتظرني، وأغلقهما على عمل آخر تركته للغد. وبين الفتح والإغماض، يمرّ النهار كقطار طويل، أسمع صوته، أرى ظله، وأبقى في مكاني، أرتب أوراقي، أجيب الرسائل، ألاحق موعدًا، أؤجل موعدًا، وأضع الراحة في آخر الدفتر.

كانت هناك أشياء صغيرة تحبني، وأنا أؤخر الوصول إليها.
مشوار قصير في شارع أعرفه، قهوة في مكان واسع، لقاء مع أشخاص يفتحون القلب، مساء يمر على مهل، احتفال بسبب صغير، ضحكة تنتهي من نفسها. كلها بقيت واقفة عند الباب، وأنا ألوّح لها من بعيد: بعد هذا العمل، بعد هذا المشروع، بعد هذه المرحلة، بعد أن يخفّ الحمل قليلًا.

ثم اكتشفت أن الحِمْل يعرف كيف يلد حِمْلًا آخر.
وأن العمل حين يأخذ مكانه في الوسط، يدفع كل شيء حوله إلى الأطراف. صرت أحضر في العالم كضيفة عابرة، وأقيم في الشغل كمنزل دائم. أعرف مواعيد التسليم أكثر من مواعيد الأصدقاء، وأعرف طريق المكتب أكثر من طريق الهواء الطلق، وأعرف تعبي معرفة حميمة، كأنه فرد من العائلة.

انسحابي من الناس حدث على مهل. بدأ باعتذار صغير، ثم تأجيل زيارة، ثم صمت طويل، ثم اتساع مسافة. صرت أفضّل العمل على الخروج، وأفضّل الإنجاز على الجلسة، وأفضّل أن أبقى قريبة من الأشياء التي أستطيع التحكم بها. في العمل ترتيب واضح، بداية ونهاية، ملف يُغلق، مهمة تُنجز، اسم يُكتب في قائمة. أما الراحة فتأتي واسعة، رخوة، وتطلب منّي أن أجلس مع نفسي، وأنا تعودت الهرب إلى الحركة.

صار الجلوس صعبًا علي.
أمدّ يدي إلى السكون فأرتبك. أبحث عن شيء أفعله، عن مهمة صغيرة، عن تفصيل مهمل، عن سبب يملأ الفراغ. كأن الفراغ مرآة، وكأنني أخشى أن أرى فيها امرأة تعبت من طول الوقوف.

ثم يأتي الندم، خفيفًا في البداية، ثم واضحًا مثل جملة مكتوبة على حائط. يأتي حين يهدأ البيت، حين تتوقف الأصوات، حين أسأل عمري أين ذهب. أراه في السنوات التي مرّت وأنا أقول: بعد قليل. أراه في المناسبات التي عبرت، في النزهات التي بقيت فكرة، في الأيام التي كان يمكن أن تكون أحنّ، في الراحة التي أجلتها حتى إشعار آخر.

العمر يمضي على غفلة. يمضي من غير ضجيج، من غير إعلان، ومن غير أن ينتظر أن ننهي أعمالنا. ونحن، في غمرة الانشغال، نغفل عن حقيقة بسيطة: أن الحياة تحتاج حضورًا، وأن الجسد يحتاج رفقًا، وأن الروح حين تؤجل طويلًا تبدأ في الابتعاد.

أريد أن أعود إلى نفسي كما يعود المسافر إلى بيت قديم.
أن أتعلم الجلوس من جديد، أن أترك يديّ فارغتين قليلًا، أن أمنح عقلي فسحة، أن أخرج في يوم عادي كأنه مناسبة، أن أحتفل بشيء صغير، أن أرى الناس من قرب، أن أستعيد وجهي من التعب.

أريد أن أصدق أن الراحة حق، وأنها جزء من العمل على الحياة. أريد أن أضع لها موعدًا واضحًا في أول الدفتر، لا في آخره. أريد أن أقول لنفسي: هنا، الآن، يكفي.
فهناك عمر يحدث في الخارج، وهناك قلب ينتظر أن يُدعى إلى حياته.

 

 

تدوينة كانت في المُعتقل لفترة طويلة و قررت أن أحررها اليوم .

ماذا تبقّى من الإنسان، بعد كل هذا الانتظار؟

الانتظار لا يُقاس بالوقت، إنما بما يستهلكه من الداخل.

يبدأ خفيفًا، بفكرة عابرة ! سأنتظر قليلًا.
ثم يتمدّد بهدوء/ يتسلّل إلى تفاصيل اليوم، يجلس قرب القرارات، ويعيد ترتيب الأشياء دون صوت!! ومع الوقت، تتغيّر الأدوار الحياة تمضي، وصاحبها يراقبها من مسافة.

من ينتظر؟
من يرى في الغائب وعدًا أكبر من الحاضر، ومن يعلّق قلبه على احتمال مفتوح.

ولماذا يحدث ذلك؟
الأمل يمنح راحة مؤقتة، وفكرة الوصول، حتى لو كانت بعيدة، تخلق مساحة هادئة يمكن الاحتماء بها.

الانتظار يبدّل ملامح الإنسان.
قد يصنع منه شخصًا متأمّلًا، يقرأ التفاصيل، يفسّر الإشارات، ويعيش على الاحتمالات.
وقد يدفعه نحو القلق، نحو هشاشة خفية، فيربط مزاجه بأشياء خارج يده، دون يقين يثبّت خطاه.

الغريب أن الاستمرار في الانتظار لا يحتاج إلى دليل.
يكفي شعور قديم، أو كلمة عالقة، كي تُبنى عليها سنوات من الترقّب.

يمرّ الشباب بهذه الطريقة! في التأجيل أكثر من التجربة، في الاستعداد أكثر من العيش.

وفي النهاية، يظهر سؤال مختلف:
ماذا تبقّى من الإنسان، بعد كل هذا الانتظار؟

عزلة ثقيلة .!

كنت أظن أنني أعرف نفسي جيدًا.
أنني من أولئك الذين تميل قلوبهم إلى العزلة الهادئة، إلى صوت الريح بين الأشجار، إلى فنجان يُعدّ على نار صغيرة في مكان لا يعرف الضجيج.
لهذا، حين اقتربت أواخر رمضان، اخترت أن أبتعد. لا سفرًا صاخبًا، ولا مدينة أخرى، بل مزرعة بسيطة، شبه معزولة، كأنها وعد بحياة أهدأ.

في الأيام الأولى، بدا كل شيء كما تخيلته تمامًا.
أستيقظ على ضوء خفيف يتسلل من النافذة، أعدّ طبخي ببطء، أراقب الأشياء وهي تحدث دون استعجال.
كان الوقت يتمدد، كأنه لم يعد يقاس بالساعات بل بالإحساس.
هدوء يشبه الراحة، أو هكذا ظننت.

ثم بطريقة لا أعرف كيف أصفها، بدأ الهدوء يتحول إلى شيء آخر..!
صوت العصافير الذي تخيلته عذبًا! صار حادًا أكثر مما ينبغي، متكررًا بشكل يوقظ في داخلي توترًا غير مفهوم.
الحشرات الصغيرة جدًا، كانت كافية لتفسد عليّ فكرة المكان كله.
الفراشات……! التي يقال عنها لطيفة, لم أستطع تقبّل وجودها قريبةً مني، كأن المسافة بيني وبين الطبيعة لم تكن آمنة كما توقعت.

كنت أراقب نفسي وأنا أحاول أن أتكيّف، دون جدوى واضحة.
هل هذا خوف؟
نوع من الفوبيا؟
أم أنني ببساطة لست تلك النسخة التي أحبّت الطبيعة في خيالها فقط؟

حتى المطر الذي أحببته دائمًا، صار تجربة مؤقتة جدًا.
أخرج لأبتل قليلًا، ثم أعود بسرعة! كأنني أنهي واجبًا لا نزهة.
أجلس بعدها داخل الغرفة، أراقب الوقت, لا لشيء إلا لأتأكد أنه يمضي.

في لحظة صادقة مع نفسي، قررت أن أعود قبل الموعد.
خمسة أيام كاملة لم أستطع احتمالها.
لم يكن قرارًا دراميًا، بل بسيطًا وواضحًا!! هذه التجربة ليست لي.

أدركت أن حبّ الأشياء من بعيد، لا يعني القدرة على العيش داخلها.
وأن بعض الصور التي نحتفظ بها في خيالنا، يكفيها أن تبقى كذلك، دون اختبار.

أما أنا، فأظنني اكتفيت.
بيوم واحد فقط !داخل السيارة، أطلّ فيه على الطبيعة من نافذتي، دون أن أكون جزءًا منها.

مفاوضة الشّيب .

في صباحٍ لا يختلف كثيرًا عن غيره، وقفتُ أمام المرآة، لا لأتأمل ملامحي بقدر ما أتفقد ذلك الجيش الأبيض الذي قرر “بلا سابق إنذار” أن يتكاثر بثقةٍ لافتة في رأسي.

لا أذكر متى بدأت الحكاية تحديدًا، لكنني أذكر جيدًا أول محاولة للسيطرة. صبغة أولى، ثم ثانية، ثم تلك التي قيل عنها “بدون أمونيا” وكأنها جاءت لتعتذر بلطف عمّا ستفعله. بعدها دخلتُ في مرحلة الحنّا، ثم الصبغات الطبيعية، ثم وصفات الإنترنت التي تبدأ بـ”جرّبي ولن تندمي” وتنتهي غالبًا بندمٍ بسيط ووقتٍ ضائع.

كنتُ أتعامل مع الأمر كمعركةٍ مؤقتة، أؤجلها كل مرة، وأعود إليها حين تلمع خيوط الشيب تحت الضوء وكأنها تقول: نحن هنا، لا داعي للإنكار.

ومؤخرًا، وجدتُ نفسي أمام فكرة جديدة، لا تشبه الصبغات ولا تحمل رائحة الأعشاب الثقيلة. طحينية السمسم الأسود. نعم!!! هكذا ببساطة قيل إنها قد تخفف من الشيب، أو على الأقل تمنحه سببًا للتردد قبل أن يتمدد أكثر.

ومنذ ذلك اليوم، بدأتُ طقسًا صباحيًا جديدًا. ملعقة صغيرة، أتناولها بشيءٍ من التردد، بطعمٍ يشبه الطحينية التي نعرفها، لكنه يأتي محمّلًا بشيءٍ من الأمل، أو لعلّه وهمٌ لطيف لا يضر.

أقف بعدها أمام المرآة، أراقب ذلك البريق الأبيض. لا أبحث عن اختفائه الكامل، فقط أراقب إن كان قد خفّ قليلًا، إن كان قد فقد شيئًا من لمعانه الواثق. أقترب، أبتعد، أغيّر زاوية الضوء، وكأنني في تجربةٍ علمية دقيقة، بينما الحقيقة أبسط بكثير.

في بعض الأيام، أضحك. كيف انتهى بي الأمر أتناول الطحينية على أمل أن يقتنع شعري بالتراجع؟ وفي أيام أخرى، أتعاطف مع نفسي قليلًا، لأن المحاولة مهما كانت طريفة تظل محاولة للاحتفاظ بشيءٍ نألفه.

الشيب لا يبدو مستعجلًا في الرحيل، وأنا لا أبدو مستعدة تمامًا للاستسلام. بيننا اتفاقٌ غير مكتوب: هو يظهر بهدوء، وأنا أحاول التخفيف من حضوره بوسائلي البسيطة، مرةً بالصبغات، ومرةً بالحنّا، ومؤخرًا بملعقة طحينية كل صباح.

ولا أعلم حقًا من سيملّ أولًا!! أنا، أم هو.

ياليلة العيد

فجر العيد،
وجاء بهدوء يشبه الدعاء.

أنظر إلى هذه الصورة وأبتسم،
كيف كانت الأشياء بسيطة ومع ذلك كانت تملأ قلوبنا.
بالون ملوّن، لعبة صغيرة، وضحكات تسبقنا في الأزقة.
كنا نفرح دون تفكير، وكأن الفرح يعرف طريقه إلينا.

وكان للعيد صوت نحبه،
حين يغنّي محمد عبده “من العايدين”،
ويأتي طلال مداح بصوته الدافئ “كل عام وأنتم بخير”،
وتهمس أم كلثوم “يا ليلة العيد” في الخلفية.
كنا نحفظ العيد من هذه الأغاني قبل أن نفهمه.

العيد لم يكن كبيرًا،
نحن من كنّا نراه كذلك.

اليوم نكبر،
لكن يبقى في الداخل شيء صغير لا يتغيّر،
يعرف كيف يفرح، ولو بهدوء.

هذا هو العيد،
أن نقترب،
أن نلين،
وأن نترك للفرح مساحة في قلوبنا.

عيدكم مبارك،
وكل عام وأنتم بخير.


استراحة قصيرة !

تجلس المرأة كأنها وصلت إلى حدّ الكلام مع نفسها.!

السلة على ظهرها ليست ثقيلة كما تبدو،
لكن الطريق الطويل يجعل الأشياء أخفّها يبدو كأنه يحمل العمر كله.

العصا بين يديها لا تشبه أداة للعمل بقدر ما تشبه ذريعة للتوقف.
الإنسان أحيانًا يحتاج شيئًا يتكئ عليه ليمنح نفسه عذرًا بسيطًا للجلوس.

و لا يبدو كذلك أنها متعبة بالمعنى المعروف للتعب.
التعب الحقيقي لا يظهر على الجسد دائمًا،
إنّما في تلك اللحظة التي يبتعد فيها النظر عن الطريق.

كأنها لا تنتظر أحدًا. ولا تفكر في العودة.
هي فقط تجلس قليلًا ، لتتأكد أن قلبها ما زال قادرًا على مواصلة السير.

ربما ستنهض بعد دقائق.
تحمل السلة كما كانت، وتسـيــــــــر.

مع أنّ هذه الدقائق القليلة هي التي تجعل الطريق ممكنًا.

أشعر أن هذه المرأة تشبهني أغلب الأيّام ، لذلك كتبت ما كتبت .

غيابةُ الوقت.. وحصادُ الطمأنينة

مرّ عام 2025 كأنه حلمٌ طويل، عبر من تحت أبوابي دون أن يترك أثراً لخططٍ مؤجلة أو إنجازاتٍ صاخبة، فكنتُ فيه الغريبة التي لم تخطط لشيء، والزاهدة التي لم تضف لنفسها جديداً. أجدني اليوم أتأملُ كفّي في ختام الرحلة! خاليةً من ضجيج التغيير، وهادئةً حدّ الذهول، كأنني عشتُ فصول السنة في غيبوبةٍ من الأحداث، أحاول استرجاع ملامح أيامها فتفرُّ مني الذاكرة، وأبحثُ عن وهج المشاعر التي عبرتني فلا أجدُ إلا ضباباً لطيفاً يغطي التفاصيل.

وسط هذا النسيان وهذا الغياب، يطفو الامتنانُ وحده كقارب نجاة، فأشكرُ الله الذي ألبسني ثوب العافية دون استحقاقٍ مني، ومنحني القدرة على التنفس بعمق والسير دون وجع. ممتنةٌ لله تعالى الذي حفظ لي عائلتي، وأبقى وجوههم حولي سياجاً من طمأنينة، فهم الحقيقةُ الوحيدة في عامٍ بدا وكأنه سراب. ربما لا أتذكر كل شيء من 2025، وربما سقطت سنواتي من مفكرة الوقت، غير أنني أقفُ الآن بقلبٍ سليم، وروحٍ مستورة، وجسدٍ معافى، وهذا يكفيني عن كل ما فات، وعن كل ما ضاع في غيابة الذاكرة.

وسنة سعيدة عليكم يا أصدقاء و كلها فرح وراحة بال يارب .

ذاكرةُ القصيد.. وجوهٌ لا تغيب

في زوايا الذاكرة ثمة أصوات لا تغيب، وأحاديث تشبه رائحة الأرض بعد المطر. كبرتُ وفي أذنيّ صدى القصيد، وفي قلبي ميزانٌ من حكمة الأجداد. تلك الأمثال التي يلقيها كبارنا هي دساتير حياة، نُقشت في وجداننا قبل أن تُحفظ في صدورنا.

أتأملُ تلك الأيام التي جمعتنا مع أبي، والوقتُ يمرُّ عذباً ونحن نستمعُ لفن المحاورة، نرقبُ ذكاء الرد وسرعة البديهة، ونقلّبُ معه صفحات كتب القصائد التي كان يقتنيها بعناية، وكأننا نفتحُ خزائن من الذهب. حفظنا من تلك الدواوين جزالة ابن جدلان، وترفُّع السديري، وعزة نفس بندر بن سرور رحمهم الله، فصارت أبياتهم تجري في عروقنا.

وحين يأخذنا الشوقُ إلى جدتي، يكتملُ المشهدُ بصوت خلف بن هذال وهو يزلزلُ المنابر بحضوره، وبشاعرية الأمير خالد الفيصل التي ترسمُ الوجدان بالكلمات. كانت تلك الأمسيات طقساً من الحب، ومدرسةً ننهلُ منها رقة الحرف وقوة المعنى.

لقد عشنا في كنف بيئةٍ تُقدّر النبط، وترى في المَثَلِ فصلاً للخطاب. كنا نرقبُ بريق أعينهم وهم يقصّون علينا أسباب تلك الحكم، وكأنهم يمررون لنا أمانةً ثقيلة من التجارب. تلك القصص هي بوصلةٌ نسترشد بها حين تضيق المسالك.

اليوم، وفي خضم تسارع هذا العالم، قد تخفت تلك الكلمات في أحاديثنا، لكنها تظلُّ يقظةً في داخلي. تباغثني في المواقف الصعبة، وتهمس لي في لحظات الحيرة، فأجدني أستحضرُ بيتاً يختصرُ عناء الشرح. إنني أحملُ هذا الإرث كعقدٍ ثمين، وأرجو أن أكون جسراً يعبر من خلاله هذا البهاء إلى أطفالي، لتبقى هويتهم مغروسةً في تربةٍ من العز، تماماً كما غرسها الأوائل فينا.

ذاكِرة المكَان

أجمل ما في كتابة النصوص الإعلانية هو اللحظة التي تخرج فيها الكلمة من كونها “مهمة عمل” لتصبح جزءاً من روحنا.

في تعاوني الأخير مع متجر مختارات مَثَل لتقويم ٢٠٢٦، كان الشعور مختلفاً. لم نكن نصيغ إعلاناً بقدر ما كنا نبحث عن معنى لهذا العام الجديد. اقترحتُ عليهم تسميته “ذاكرة المكان”؛ لأني أؤمن أن الأيام لا تمر في الفراغ، هي تسكن في الزوايا، وتلتصق بالجدران، وتعيش في كل مكان نضع فيه بصمتنا.

أن تشارك في تسمية منتج، وتكتب نصوصه بحب مع فريق يقدر قيمة الكلمة، هو ما يجعل العمل الإبداعي ممتعاً بحق. “ذاكرة المكان” صار الآن اسماً لعام كامل ينتظرنا، وأنا سعيدة جداً بهذا الأثر.