ذاتٌ أُخرى… عن المكان الذي يلمس ما فينا

انتهيت من ذاتٌ أُخرى وبقيت أيامًا أفكر فيه.

حدث شيء غريب أثناء المشاهدة. بدأت المسلسل كحكاية عن ثلاث صديقات، ثم وجدتني أتابع نفسي من خلالهن. كل واحدة منهن تحمل خوفًا قديمًا، ورغبة في الفهم، وتعبًا يصعب شرحه بجملة واحدة. كنت أشاهدهن في علاقاتهن، في تردّدهن، في قلقهن، في حاجتهن لأن يعرفن من أين جاء كل هذا الثقل، وأشعر أن شيئًا في داخلي يتحرك.

المسلسل اقترب من الصدمات بطريقة إنسانية جدًا. جعلها تظهر في تفاصيل الحياة اليومية: في الجسد، في الحب، في الغضب، في الاختيارات المتكررة، في العلاقة مع الأم، في الصداقة، في الخوف من الفقد، وفي تلك اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن ما يحدث معه الآن له جذور أبعد من اللحظة نفسها.

أكثر ما أثر فيني أن التجربة تشبه الحياة. الفهم يأتي على مراحل. مرة على هيئة سؤال، ومرة على هيئة مواجهة، ومرة على هيئة تعب، ومرة على هيئة بكاء طويل بعد سنوات من التماسك. الشخصيات كانت تتغير وهي تمشي داخل وجعها، وكل تغيير صغير كان يبدو حقيقيًا. حقيقيًا بما يكفي لأن أصدقه، وأخاف منه، وأرى نفسي فيه.

وجدتني أفكر في الأشياء التي نحملها من غير أن نعرف اسمها. خوف قديم يسكن ردّة فعل عابرة. حزن يتكرر في علاقة جديدة. قلق ورثناه من بيت أو ذاكرة أو قصة عائلية. إحساس عميق بأن بعض ما نعيشه أكبر من أعمارنا، وأننا أحيانًا نحتاج أن نرجع إلى الجذر حتى نفهم شكل الغصن.

ثم جاء المكان وصار جزءًا من أثر المسلسل عليّ.

البلدة الساحلية، البحر، الأزقة، الضوء، البيوت، الأشجار، الطاولات، الوجوه التي تمر في الخلفية، كل شيء كان يصنع شعورًا كاملًا. المكان كان يحمل الشخصيات مثل كف مفتوحة. يمنحهن مساحة للكلام، وللصمت، وللرجوع إلى الذاكرة. لم أشعر أنني أشاهد ديكورًا جميلًا، شعرت أنني داخل تجربة لها رائحة وحرارة وهواء.

كان البحر حاضرًا كمساحة واسعة للتنفس. الضوء يدخل على المشاهد كأنه يفتح شيئًا في الذاكرة. الشوارع الصغيرة تمنح الحكاية ألفة، والبيوت تجعل كل اعتراف قريبًا من القلب. أحببت هذا الاختيار كثيرًا، لأن المكان أعطى الحكاية روحها. صار التعافي مرتبطًا بالمشي، بالجلوس، بالنظر، بالوقت، وبالأشياء الصغيرة التي تجعل الإنسان يقترب من نفسه.

أفكر أحيانًا أن بعض الأماكن تساعدنا على سماع ما بداخلنا. هناك أماكن تدخلينها فيصبح قلبك أكثر استعدادًا للكلام. يتسع الهواء حولك، وتخفّ حدة الأصوات، وتشعرين أن ما كان عالقًا في صدرك بدأ يأخذ شكلًا مفهومًا. هذا ما فعله المكان في ذاتٌ أُخرى. جعل التجربة محسوسة. جعل الألم جزءًا من مشهد كامل، لا فكرة معلّقة في الفراغ.

ما شدّني أيضًا هو الصداقة. وجود النساء معًا، بكل اختلافاتهن، بكل خوفهن، بكل تناقضاتهن. الصديقة هنا ليست شخصية جانبية في حياة الأخرى، هي بيت آخر. مرآة، يد، ذاكرة، ونجاة مؤقتة حين تضيق الروح. أعجبني أن المسلسل جعل العلاقات بينهن تحمل دفئًا حقيقيًا، حتى في لحظات الارتباك والخذلان والاختلاف.

وأنا أشاهد صداقتهن، شعرت بشيء يشبه الغصّة. أعجبني قربهن من بعض، طريقتهن في الوجود معًا، أن لكل واحدة منهن امرأة تعرف خوفها وتقرأ صمتها وتجلس معها في اللحظات الثقيلة. بعد المسلسل تمنّيت أن تكون في حياتي صديقة قريبة بهذا الشكل. صديقة أفهمها وتفهمني، نذهب معًا إلى مكان بعيد، نحمل أسئلتنا، نتكلم عن الأشياء التي نخفيها عن الجميع، ونعود أخف قليلًا. كان في صداقتهن شيء افتقدته وأنا أتابعهن، شيء جعل الحكاية تمسني من مكان شخصي جدًا.

شعرت أنني قريبة من هذا كله. قريبة من فكرة أن الإنسان يظل يبحث عن سبب تعبه. قريبة من الخوف الذي يتكرر، ومن السؤال الذي يرجع في كل مرة بوجه جديد. لماذا أتصرف بهذه الطريقة؟ لماذا أرجع إلى الوجع نفسه؟ لماذا أخاف من أشياء تبدو بسيطة للآخرين؟ لماذا أشعر أن بعض المشاعر جاءت من مكان أقدم مني؟

هذه الأسئلة كانت تمشي معي أثناء المشاهدة. لم أنتظر من المسلسل إجابة جاهزة، كنت أحتاج أن أرى امرأة أخرى تحاول الفهم. أن أرى الوجع وهو يأخذ اسمًا. أن أرى الذاكرة وهي تخرج من الظل إلى الضوء. أن أرى الإنسان وهو يبدأ طريقًا نحو نفسه، حتى لو كان الطريق طويلًا ومتعبًا.

ذاتٌ أُخرى أعجبني لأنه جعلني أعيش التجربة لا أشاهدها فقط. جعلني أرى أثر المكان، وأثر الصداقة، وأثر الذاكرة، وأثر الجسد حين يحتفظ بما لا نقوله. جعلني أفكر في نفسي من زاوية مختلفة، وفي الصدمات التي تسكننا وتظهر في أبسط تفاصيلنا.

بعض الأعمال تبقى لأنها تلمس منطقة لا نعرف كيف نتكلم عنها. هذا المسلسل لمس تلك المنطقة فيّ. ترك داخلي أسئلة، وصورًا، وشعورًا طويلًا بأن التعافي يبدأ أحيانًا من لحظة صدق صغيرة، من مكان يشبهنا، ومن رغبة عميقة في أن نفهم لماذا صرنا كما نحن.

ذاكرةُ القصيد.. وجوهٌ لا تغيب

في زوايا الذاكرة ثمة أصوات لا تغيب، وأحاديث تشبه رائحة الأرض بعد المطر. كبرتُ وفي أذنيّ صدى القصيد، وفي قلبي ميزانٌ من حكمة الأجداد. تلك الأمثال التي يلقيها كبارنا هي دساتير حياة، نُقشت في وجداننا قبل أن تُحفظ في صدورنا.

أتأملُ تلك الأيام التي جمعتنا مع أبي، والوقتُ يمرُّ عذباً ونحن نستمعُ لفن المحاورة، نرقبُ ذكاء الرد وسرعة البديهة، ونقلّبُ معه صفحات كتب القصائد التي كان يقتنيها بعناية، وكأننا نفتحُ خزائن من الذهب. حفظنا من تلك الدواوين جزالة ابن جدلان، وترفُّع السديري، وعزة نفس بندر بن سرور رحمهم الله، فصارت أبياتهم تجري في عروقنا.

وحين يأخذنا الشوقُ إلى جدتي، يكتملُ المشهدُ بصوت خلف بن هذال وهو يزلزلُ المنابر بحضوره، وبشاعرية الأمير خالد الفيصل التي ترسمُ الوجدان بالكلمات. كانت تلك الأمسيات طقساً من الحب، ومدرسةً ننهلُ منها رقة الحرف وقوة المعنى.

لقد عشنا في كنف بيئةٍ تُقدّر النبط، وترى في المَثَلِ فصلاً للخطاب. كنا نرقبُ بريق أعينهم وهم يقصّون علينا أسباب تلك الحكم، وكأنهم يمررون لنا أمانةً ثقيلة من التجارب. تلك القصص هي بوصلةٌ نسترشد بها حين تضيق المسالك.

اليوم، وفي خضم تسارع هذا العالم، قد تخفت تلك الكلمات في أحاديثنا، لكنها تظلُّ يقظةً في داخلي. تباغثني في المواقف الصعبة، وتهمس لي في لحظات الحيرة، فأجدني أستحضرُ بيتاً يختصرُ عناء الشرح. إنني أحملُ هذا الإرث كعقدٍ ثمين، وأرجو أن أكون جسراً يعبر من خلاله هذا البهاء إلى أطفالي، لتبقى هويتهم مغروسةً في تربةٍ من العز، تماماً كما غرسها الأوائل فينا.

أعرفكِ.
عرفت عينيك قبل أن يُرسم هذا الضوء على جسدي.
كنتِ من حلم بي ذات مساء خريفي،
حين مللتِ كل الأجوبة.

أقف على الصدفة لا لأدلّك على الجمال،
بل لأقول إنني خرجت من شيء،
ولا أنتمي بعد لأي شيء.

لم أُولد من البحر كما قالت الأساطير،
بل من صمتٍ طويل، ومن رغبة أن أكون امرأة دون أن أُشرح أو أُمتدَح.
أنا لست رمزًا،
ولا استدعاءً للغواية،
أنا لحظة صدق.
وقفت هناك،
لأراكِ ترين نفسك، لا لتري جسدي.

لا تسألي: من هذه؟
اسألي: ماذا فيّ يشبهها؟

أعرف أنكِ تعبتِ من أن تكوني دائمًا “صورةً مناسبة”،
تُضاء جيدًا، وتُعلّق بإتقان.
لكن ما من أحدٍ سأل قلبك إن كان يريد ذلك.

في العزلة، وجدتُ أنني لا أحتاج جمهورًا،
ولا حتى خلاصًا.
يكفيني أن أكون شاهدةً على صمتي.

اكتبي، إن أردتِ،
لكن لا تكتبي عني.
اكتبي عن تلك اللحظة التي لم تقلقي فيها من نظرة أحد،
ووقفتِ كما أنتِ، لا أجمل، لا أنحف، لا أكثر حكمة.

ميراث لا يُكتب

في عائلتي، لم تكن المرأة تستأذن الحياة، كانت تمضي فيها كأنها صاحبتها! تدبّر وتقوم مقام الجميع، تحسن التقدير ولا تتأخر عن الفعل… لا تطلب/ لا تنتظر/ ولا تلوّح بضعفٍ لم تعترف به يوماً. صارت تلك الصورة ميراثاً يُورّث..! لا مال فيه ولا ذهب، بل وصيّة من نوع آخر ” أن تكوني أنتِ الجميع، وأن تُخفي وجعكِ بابتسامة ثابتة”.

حين قررتُ أن أخرج من هذا الدور المكرر..! ، أن أختار الشريك لا العبء، كنت أظن أنني أخطّ مساراً جديداً، شيئاً يشبه الخلاص. لكنّه يعرف مُسبقاَ أنني من تلك العائلة، لم يرَ فيّ سوى امتداداً لها .. أعادني دون أن يدري ” أو ربما كان يدري ” إلى حيث بدأت النساء قبلي/ إلى الدور ذاته/ المشهد ذاته/ الملامح ذاتها.

و كل ما فعلته أنني عدت و صمتُّ بالطريقة نفسها التي صمتت بها من سبقنني. لكنني كنت أسمع ضجيج هذا الصمت في رأسي، وأشعر بثقله في ظهري! لم تكن العودة هزيمة، كانت أشبه بإعادة تمثيلٍ لمشهد قديم، يصفّق له الجميع لأنه مألوف، ولأن أحدًا لا يريد أن يراه يتغيّر.

في كل مرة كنت أضع فيها شيئًا في مكانه، أو أتدارك خطأ لم أرتكبه، أو أستبق انكسارًا كي لا يحدث، كنت أعرف أنني لا أعيش حياتي ! بل أُعيد تمثيلها، وكأنني وُجِدتْ كي لا تُهدم الصورة لا أكثر.!

لكنني اليوم أدوّن.
أدوّن لأن الكتابة لا تُورّث ولأنها ولو للحظات تمنحني شكلاً آخر لا يشبه الميراث.! تمنحني اسماً لا تُرفق به وظيفة. وأحيانًا، يكفي أن أقول أنا ألاحظ كل شيء، لكنني لم أعد أقبل كل شيء.