ذاتٌ أُخرى… عن المكان الذي يلمس ما فينا

انتهيت من ذاتٌ أُخرى وبقيت أيامًا أفكر فيه.

حدث شيء غريب أثناء المشاهدة. بدأت المسلسل كحكاية عن ثلاث صديقات، ثم وجدتني أتابع نفسي من خلالهن. كل واحدة منهن تحمل خوفًا قديمًا، ورغبة في الفهم، وتعبًا يصعب شرحه بجملة واحدة. كنت أشاهدهن في علاقاتهن، في تردّدهن، في قلقهن، في حاجتهن لأن يعرفن من أين جاء كل هذا الثقل، وأشعر أن شيئًا في داخلي يتحرك.

المسلسل اقترب من الصدمات بطريقة إنسانية جدًا. جعلها تظهر في تفاصيل الحياة اليومية: في الجسد، في الحب، في الغضب، في الاختيارات المتكررة، في العلاقة مع الأم، في الصداقة، في الخوف من الفقد، وفي تلك اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن ما يحدث معه الآن له جذور أبعد من اللحظة نفسها.

أكثر ما أثر فيني أن التجربة تشبه الحياة. الفهم يأتي على مراحل. مرة على هيئة سؤال، ومرة على هيئة مواجهة، ومرة على هيئة تعب، ومرة على هيئة بكاء طويل بعد سنوات من التماسك. الشخصيات كانت تتغير وهي تمشي داخل وجعها، وكل تغيير صغير كان يبدو حقيقيًا. حقيقيًا بما يكفي لأن أصدقه، وأخاف منه، وأرى نفسي فيه.

وجدتني أفكر في الأشياء التي نحملها من غير أن نعرف اسمها. خوف قديم يسكن ردّة فعل عابرة. حزن يتكرر في علاقة جديدة. قلق ورثناه من بيت أو ذاكرة أو قصة عائلية. إحساس عميق بأن بعض ما نعيشه أكبر من أعمارنا، وأننا أحيانًا نحتاج أن نرجع إلى الجذر حتى نفهم شكل الغصن.

ثم جاء المكان وصار جزءًا من أثر المسلسل عليّ.

البلدة الساحلية، البحر، الأزقة، الضوء، البيوت، الأشجار، الطاولات، الوجوه التي تمر في الخلفية، كل شيء كان يصنع شعورًا كاملًا. المكان كان يحمل الشخصيات مثل كف مفتوحة. يمنحهن مساحة للكلام، وللصمت، وللرجوع إلى الذاكرة. لم أشعر أنني أشاهد ديكورًا جميلًا، شعرت أنني داخل تجربة لها رائحة وحرارة وهواء.

كان البحر حاضرًا كمساحة واسعة للتنفس. الضوء يدخل على المشاهد كأنه يفتح شيئًا في الذاكرة. الشوارع الصغيرة تمنح الحكاية ألفة، والبيوت تجعل كل اعتراف قريبًا من القلب. أحببت هذا الاختيار كثيرًا، لأن المكان أعطى الحكاية روحها. صار التعافي مرتبطًا بالمشي، بالجلوس، بالنظر، بالوقت، وبالأشياء الصغيرة التي تجعل الإنسان يقترب من نفسه.

أفكر أحيانًا أن بعض الأماكن تساعدنا على سماع ما بداخلنا. هناك أماكن تدخلينها فيصبح قلبك أكثر استعدادًا للكلام. يتسع الهواء حولك، وتخفّ حدة الأصوات، وتشعرين أن ما كان عالقًا في صدرك بدأ يأخذ شكلًا مفهومًا. هذا ما فعله المكان في ذاتٌ أُخرى. جعل التجربة محسوسة. جعل الألم جزءًا من مشهد كامل، لا فكرة معلّقة في الفراغ.

ما شدّني أيضًا هو الصداقة. وجود النساء معًا، بكل اختلافاتهن، بكل خوفهن، بكل تناقضاتهن. الصديقة هنا ليست شخصية جانبية في حياة الأخرى، هي بيت آخر. مرآة، يد، ذاكرة، ونجاة مؤقتة حين تضيق الروح. أعجبني أن المسلسل جعل العلاقات بينهن تحمل دفئًا حقيقيًا، حتى في لحظات الارتباك والخذلان والاختلاف.

وأنا أشاهد صداقتهن، شعرت بشيء يشبه الغصّة. أعجبني قربهن من بعض، طريقتهن في الوجود معًا، أن لكل واحدة منهن امرأة تعرف خوفها وتقرأ صمتها وتجلس معها في اللحظات الثقيلة. بعد المسلسل تمنّيت أن تكون في حياتي صديقة قريبة بهذا الشكل. صديقة أفهمها وتفهمني، نذهب معًا إلى مكان بعيد، نحمل أسئلتنا، نتكلم عن الأشياء التي نخفيها عن الجميع، ونعود أخف قليلًا. كان في صداقتهن شيء افتقدته وأنا أتابعهن، شيء جعل الحكاية تمسني من مكان شخصي جدًا.

شعرت أنني قريبة من هذا كله. قريبة من فكرة أن الإنسان يظل يبحث عن سبب تعبه. قريبة من الخوف الذي يتكرر، ومن السؤال الذي يرجع في كل مرة بوجه جديد. لماذا أتصرف بهذه الطريقة؟ لماذا أرجع إلى الوجع نفسه؟ لماذا أخاف من أشياء تبدو بسيطة للآخرين؟ لماذا أشعر أن بعض المشاعر جاءت من مكان أقدم مني؟

هذه الأسئلة كانت تمشي معي أثناء المشاهدة. لم أنتظر من المسلسل إجابة جاهزة، كنت أحتاج أن أرى امرأة أخرى تحاول الفهم. أن أرى الوجع وهو يأخذ اسمًا. أن أرى الذاكرة وهي تخرج من الظل إلى الضوء. أن أرى الإنسان وهو يبدأ طريقًا نحو نفسه، حتى لو كان الطريق طويلًا ومتعبًا.

ذاتٌ أُخرى أعجبني لأنه جعلني أعيش التجربة لا أشاهدها فقط. جعلني أرى أثر المكان، وأثر الصداقة، وأثر الذاكرة، وأثر الجسد حين يحتفظ بما لا نقوله. جعلني أفكر في نفسي من زاوية مختلفة، وفي الصدمات التي تسكننا وتظهر في أبسط تفاصيلنا.

بعض الأعمال تبقى لأنها تلمس منطقة لا نعرف كيف نتكلم عنها. هذا المسلسل لمس تلك المنطقة فيّ. ترك داخلي أسئلة، وصورًا، وشعورًا طويلًا بأن التعافي يبدأ أحيانًا من لحظة صدق صغيرة، من مكان يشبهنا، ومن رغبة عميقة في أن نفهم لماذا صرنا كما نحن.

حتى إشعار آخر ….

كنت أظن أن الانشغال شكل من أشكال النجاة.
أن يمتلئ اليوم حتى حافته يعني أنني أمسك بالحياة من طرفها الصحيح، وأن اليدين حين تعملان، والعقل حين يركض، والقلب حين يؤجل رغباته الصغيرة، تصبح الأيام ذات معنى أوضح.

كبرت الفكرة في داخلي مع الوقت. صارت عادة، ثم صارت طباعًا. أفتح عيني على عمل ينتظرني، وأغلقهما على عمل آخر تركته للغد. وبين الفتح والإغماض، يمرّ النهار كقطار طويل، أسمع صوته، أرى ظله، وأبقى في مكاني، أرتب أوراقي، أجيب الرسائل، ألاحق موعدًا، أؤجل موعدًا، وأضع الراحة في آخر الدفتر.

كانت هناك أشياء صغيرة تحبني، وأنا أؤخر الوصول إليها.
مشوار قصير في شارع أعرفه، قهوة في مكان واسع، لقاء مع أشخاص يفتحون القلب، مساء يمر على مهل، احتفال بسبب صغير، ضحكة تنتهي من نفسها. كلها بقيت واقفة عند الباب، وأنا ألوّح لها من بعيد: بعد هذا العمل، بعد هذا المشروع، بعد هذه المرحلة، بعد أن يخفّ الحمل قليلًا.

ثم اكتشفت أن الحِمْل يعرف كيف يلد حِمْلًا آخر.
وأن العمل حين يأخذ مكانه في الوسط، يدفع كل شيء حوله إلى الأطراف. صرت أحضر في العالم كضيفة عابرة، وأقيم في الشغل كمنزل دائم. أعرف مواعيد التسليم أكثر من مواعيد الأصدقاء، وأعرف طريق المكتب أكثر من طريق الهواء الطلق، وأعرف تعبي معرفة حميمة، كأنه فرد من العائلة.

انسحابي من الناس حدث على مهل. بدأ باعتذار صغير، ثم تأجيل زيارة، ثم صمت طويل، ثم اتساع مسافة. صرت أفضّل العمل على الخروج، وأفضّل الإنجاز على الجلسة، وأفضّل أن أبقى قريبة من الأشياء التي أستطيع التحكم بها. في العمل ترتيب واضح، بداية ونهاية، ملف يُغلق، مهمة تُنجز، اسم يُكتب في قائمة. أما الراحة فتأتي واسعة، رخوة، وتطلب منّي أن أجلس مع نفسي، وأنا تعودت الهرب إلى الحركة.

صار الجلوس صعبًا علي.
أمدّ يدي إلى السكون فأرتبك. أبحث عن شيء أفعله، عن مهمة صغيرة، عن تفصيل مهمل، عن سبب يملأ الفراغ. كأن الفراغ مرآة، وكأنني أخشى أن أرى فيها امرأة تعبت من طول الوقوف.

ثم يأتي الندم، خفيفًا في البداية، ثم واضحًا مثل جملة مكتوبة على حائط. يأتي حين يهدأ البيت، حين تتوقف الأصوات، حين أسأل عمري أين ذهب. أراه في السنوات التي مرّت وأنا أقول: بعد قليل. أراه في المناسبات التي عبرت، في النزهات التي بقيت فكرة، في الأيام التي كان يمكن أن تكون أحنّ، في الراحة التي أجلتها حتى إشعار آخر.

العمر يمضي على غفلة. يمضي من غير ضجيج، من غير إعلان، ومن غير أن ينتظر أن ننهي أعمالنا. ونحن، في غمرة الانشغال، نغفل عن حقيقة بسيطة: أن الحياة تحتاج حضورًا، وأن الجسد يحتاج رفقًا، وأن الروح حين تؤجل طويلًا تبدأ في الابتعاد.

أريد أن أعود إلى نفسي كما يعود المسافر إلى بيت قديم.
أن أتعلم الجلوس من جديد، أن أترك يديّ فارغتين قليلًا، أن أمنح عقلي فسحة، أن أخرج في يوم عادي كأنه مناسبة، أن أحتفل بشيء صغير، أن أرى الناس من قرب، أن أستعيد وجهي من التعب.

أريد أن أصدق أن الراحة حق، وأنها جزء من العمل على الحياة. أريد أن أضع لها موعدًا واضحًا في أول الدفتر، لا في آخره. أريد أن أقول لنفسي: هنا، الآن، يكفي.
فهناك عمر يحدث في الخارج، وهناك قلب ينتظر أن يُدعى إلى حياته.

 

 

تدوينة كانت في المُعتقل لفترة طويلة و قررت أن أحررها اليوم .

عزلة ثقيلة .!

كنت أظن أنني أعرف نفسي جيدًا.
أنني من أولئك الذين تميل قلوبهم إلى العزلة الهادئة، إلى صوت الريح بين الأشجار، إلى فنجان يُعدّ على نار صغيرة في مكان لا يعرف الضجيج.
لهذا، حين اقتربت أواخر رمضان، اخترت أن أبتعد. لا سفرًا صاخبًا، ولا مدينة أخرى، بل مزرعة بسيطة، شبه معزولة، كأنها وعد بحياة أهدأ.

في الأيام الأولى، بدا كل شيء كما تخيلته تمامًا.
أستيقظ على ضوء خفيف يتسلل من النافذة، أعدّ طبخي ببطء، أراقب الأشياء وهي تحدث دون استعجال.
كان الوقت يتمدد، كأنه لم يعد يقاس بالساعات بل بالإحساس.
هدوء يشبه الراحة، أو هكذا ظننت.

ثم بطريقة لا أعرف كيف أصفها، بدأ الهدوء يتحول إلى شيء آخر..!
صوت العصافير الذي تخيلته عذبًا! صار حادًا أكثر مما ينبغي، متكررًا بشكل يوقظ في داخلي توترًا غير مفهوم.
الحشرات الصغيرة جدًا، كانت كافية لتفسد عليّ فكرة المكان كله.
الفراشات……! التي يقال عنها لطيفة, لم أستطع تقبّل وجودها قريبةً مني، كأن المسافة بيني وبين الطبيعة لم تكن آمنة كما توقعت.

كنت أراقب نفسي وأنا أحاول أن أتكيّف، دون جدوى واضحة.
هل هذا خوف؟
نوع من الفوبيا؟
أم أنني ببساطة لست تلك النسخة التي أحبّت الطبيعة في خيالها فقط؟

حتى المطر الذي أحببته دائمًا، صار تجربة مؤقتة جدًا.
أخرج لأبتل قليلًا، ثم أعود بسرعة! كأنني أنهي واجبًا لا نزهة.
أجلس بعدها داخل الغرفة، أراقب الوقت, لا لشيء إلا لأتأكد أنه يمضي.

في لحظة صادقة مع نفسي، قررت أن أعود قبل الموعد.
خمسة أيام كاملة لم أستطع احتمالها.
لم يكن قرارًا دراميًا، بل بسيطًا وواضحًا!! هذه التجربة ليست لي.

أدركت أن حبّ الأشياء من بعيد، لا يعني القدرة على العيش داخلها.
وأن بعض الصور التي نحتفظ بها في خيالنا، يكفيها أن تبقى كذلك، دون اختبار.

أما أنا، فأظنني اكتفيت.
بيوم واحد فقط !داخل السيارة، أطلّ فيه على الطبيعة من نافذتي، دون أن أكون جزءًا منها.

مفاوضة الشّيب .

في صباحٍ لا يختلف كثيرًا عن غيره، وقفتُ أمام المرآة، لا لأتأمل ملامحي بقدر ما أتفقد ذلك الجيش الأبيض الذي قرر “بلا سابق إنذار” أن يتكاثر بثقةٍ لافتة في رأسي.

لا أذكر متى بدأت الحكاية تحديدًا، لكنني أذكر جيدًا أول محاولة للسيطرة. صبغة أولى، ثم ثانية، ثم تلك التي قيل عنها “بدون أمونيا” وكأنها جاءت لتعتذر بلطف عمّا ستفعله. بعدها دخلتُ في مرحلة الحنّا، ثم الصبغات الطبيعية، ثم وصفات الإنترنت التي تبدأ بـ”جرّبي ولن تندمي” وتنتهي غالبًا بندمٍ بسيط ووقتٍ ضائع.

كنتُ أتعامل مع الأمر كمعركةٍ مؤقتة، أؤجلها كل مرة، وأعود إليها حين تلمع خيوط الشيب تحت الضوء وكأنها تقول: نحن هنا، لا داعي للإنكار.

ومؤخرًا، وجدتُ نفسي أمام فكرة جديدة، لا تشبه الصبغات ولا تحمل رائحة الأعشاب الثقيلة. طحينية السمسم الأسود. نعم!!! هكذا ببساطة قيل إنها قد تخفف من الشيب، أو على الأقل تمنحه سببًا للتردد قبل أن يتمدد أكثر.

ومنذ ذلك اليوم، بدأتُ طقسًا صباحيًا جديدًا. ملعقة صغيرة، أتناولها بشيءٍ من التردد، بطعمٍ يشبه الطحينية التي نعرفها، لكنه يأتي محمّلًا بشيءٍ من الأمل، أو لعلّه وهمٌ لطيف لا يضر.

أقف بعدها أمام المرآة، أراقب ذلك البريق الأبيض. لا أبحث عن اختفائه الكامل، فقط أراقب إن كان قد خفّ قليلًا، إن كان قد فقد شيئًا من لمعانه الواثق. أقترب، أبتعد، أغيّر زاوية الضوء، وكأنني في تجربةٍ علمية دقيقة، بينما الحقيقة أبسط بكثير.

في بعض الأيام، أضحك. كيف انتهى بي الأمر أتناول الطحينية على أمل أن يقتنع شعري بالتراجع؟ وفي أيام أخرى، أتعاطف مع نفسي قليلًا، لأن المحاولة مهما كانت طريفة تظل محاولة للاحتفاظ بشيءٍ نألفه.

الشيب لا يبدو مستعجلًا في الرحيل، وأنا لا أبدو مستعدة تمامًا للاستسلام. بيننا اتفاقٌ غير مكتوب: هو يظهر بهدوء، وأنا أحاول التخفيف من حضوره بوسائلي البسيطة، مرةً بالصبغات، ومرةً بالحنّا، ومؤخرًا بملعقة طحينية كل صباح.

ولا أعلم حقًا من سيملّ أولًا!! أنا، أم هو.

استراحة قصيرة !

تجلس المرأة كأنها وصلت إلى حدّ الكلام مع نفسها.!

السلة على ظهرها ليست ثقيلة كما تبدو،
لكن الطريق الطويل يجعل الأشياء أخفّها يبدو كأنه يحمل العمر كله.

العصا بين يديها لا تشبه أداة للعمل بقدر ما تشبه ذريعة للتوقف.
الإنسان أحيانًا يحتاج شيئًا يتكئ عليه ليمنح نفسه عذرًا بسيطًا للجلوس.

و لا يبدو كذلك أنها متعبة بالمعنى المعروف للتعب.
التعب الحقيقي لا يظهر على الجسد دائمًا،
إنّما في تلك اللحظة التي يبتعد فيها النظر عن الطريق.

كأنها لا تنتظر أحدًا. ولا تفكر في العودة.
هي فقط تجلس قليلًا ، لتتأكد أن قلبها ما زال قادرًا على مواصلة السير.

ربما ستنهض بعد دقائق.
تحمل السلة كما كانت، وتسـيــــــــر.

مع أنّ هذه الدقائق القليلة هي التي تجعل الطريق ممكنًا.

أشعر أن هذه المرأة تشبهني أغلب الأيّام ، لذلك كتبت ما كتبت .

ميراث لا يُكتب

في عائلتي، لم تكن المرأة تستأذن الحياة، كانت تمضي فيها كأنها صاحبتها! تدبّر وتقوم مقام الجميع، تحسن التقدير ولا تتأخر عن الفعل… لا تطلب/ لا تنتظر/ ولا تلوّح بضعفٍ لم تعترف به يوماً. صارت تلك الصورة ميراثاً يُورّث..! لا مال فيه ولا ذهب، بل وصيّة من نوع آخر ” أن تكوني أنتِ الجميع، وأن تُخفي وجعكِ بابتسامة ثابتة”.

حين قررتُ أن أخرج من هذا الدور المكرر..! ، أن أختار الشريك لا العبء، كنت أظن أنني أخطّ مساراً جديداً، شيئاً يشبه الخلاص. لكنّه يعرف مُسبقاَ أنني من تلك العائلة، لم يرَ فيّ سوى امتداداً لها .. أعادني دون أن يدري ” أو ربما كان يدري ” إلى حيث بدأت النساء قبلي/ إلى الدور ذاته/ المشهد ذاته/ الملامح ذاتها.

و كل ما فعلته أنني عدت و صمتُّ بالطريقة نفسها التي صمتت بها من سبقنني. لكنني كنت أسمع ضجيج هذا الصمت في رأسي، وأشعر بثقله في ظهري! لم تكن العودة هزيمة، كانت أشبه بإعادة تمثيلٍ لمشهد قديم، يصفّق له الجميع لأنه مألوف، ولأن أحدًا لا يريد أن يراه يتغيّر.

في كل مرة كنت أضع فيها شيئًا في مكانه، أو أتدارك خطأ لم أرتكبه، أو أستبق انكسارًا كي لا يحدث، كنت أعرف أنني لا أعيش حياتي ! بل أُعيد تمثيلها، وكأنني وُجِدتْ كي لا تُهدم الصورة لا أكثر.!

لكنني اليوم أدوّن.
أدوّن لأن الكتابة لا تُورّث ولأنها ولو للحظات تمنحني شكلاً آخر لا يشبه الميراث.! تمنحني اسماً لا تُرفق به وظيفة. وأحيانًا، يكفي أن أقول أنا ألاحظ كل شيء، لكنني لم أعد أقبل كل شيء.

أن تجد جذورك ممتدة في أرضٍ لا تلفظك/ أن تشعر أن الفكرة التي تؤمن بها تتسع لك/ أن يكون لك موطئ قدمٍ لا يتزلزل/ أن تكون برفقة شخصٌ لا تكون معه غريبًا، محيطٌ لا يجعلك تتساءل إن كنتَ فائضًا عن الحاجة.  أن تترسّخ دون أن تتقيد/ أن تتغير دون أن تضيع/ أن يكون لك مكانٌ تنتمي إليه دون أن يُغلق عليك.!

كلما أثقلني الضجر،! وجدتني أبعثر وحدتي في فراغٍ رقمي، أتركها كنداءٍ عابر رسالةً بلا اسم، أُرسلها وأنتظر! لا أحد بعينه! أي عابرٍ يلتقطها..! كأنني أقف عند فوهة بئر، أرمي صوتي في العتمة، وأحبس أنفاسي في انتظار رجع الصدى..! وحين يعود! لا يكون صدى صوتي إنما أصوات الآخرين، أسئلة بلا ملامح، فضولٌ مبهم، حوارات لا تبدأ ولا تنتهي، كأننا جميعًا عالقون في الفراغ ذاته، نلوّح لبعضنا من بعيد.

أجبت على أسئلة لا أعرف أصحابها، قرأتها وكأنها لي، تسربت إلى رأسي واستحالت أفكاري…! لم أعد أميّز إن كنت أردّ أم أفكر بصوت عالٍ..! تراكمت الأسئلة حتى صنعت في داخلي ضجيجًا، كأنني عقلٌ يحاول أن يصمت، وقلبٌ يأبى إلا أن يتكلم.

أين يكمن السلام !

إن الإنسان في صراعه الأزلي مع ذاته ومع العالم من حوله، يجد نفسه في مواجهة خيارين دائمين التجاوز والتخطي. وهذان ليسا مترادفين كما قد يظن البعض! بل هما جوهران مختلفان ينبعان من أعماق النفس الإنسانية.

التخطي يا أعزّاء هو الفعل الذي نقوم به حين نجد أنفسنا أمام حاجز يبدو لنا أنه لا يمكن تجاوزه، فنكسره بعنف..! مدفوعين بضرورة البقاء أو تحقيق هدف ما. إنه فعل يحكمه العقل والظروف، ولكن ما أثقل هذا الحمل الذي نلقيه على ضمائرنا حين نتخطى شيئًا كان مقدسًا أو محرمًا! فالتخطي لا يخلو من شعور بالذنب، من الندم الذي يتسرب إلى نفوسنا بعد أن نحقق ما ظننا أنه خلاص.

أما التجاوز! فهو أسمى وأرقى… إنه التحرر من قيود النفس، من الأوهام التي تسجن أرواحنا التجاوز هو الصعود، هو الارتقاء فوق العالم المادي إلى مستوى أعلى من الفهم والقبول. التجاوز هو النظر إلى الأمور بعين الروح لا بعين الجسد. إنه السمو الذي نراه في أليوشا كارامازوف ذلك النور الداخلي الذي يقوده إلى الإيمان بالحب والرحمة رغم كل الشرور.

وفي هذا التفريق، أرى أن التخطي قد يؤدي إلى السقوط/ إلى الغرق في وحل الأخطاء، بينما التجاوز يرفعنا إلى آفاق أرحب، إلى الحرية الحقيقية و ما أشد صعوبة التجاوز! فهو يتطلب من الإنسان أن يتخلى عن ذاته، عن كبريائه، ليصل إلى الحقيقة.

فلتتأملوا أيها الأعزّاء في حياتكم كم مرة تخطيتم وكم مرة تجاوزتم؟ وهل وجدتم السلام في التخطي، أم أن السلام يكمن في التجاوز؟

عيوني المُرهقة

اليوم اكتشفت أن عيوني بحاجة إلى نظارات تساعدني على رؤية الأشياء بوضوح كالحروف التي تبعد عني مترًا أو حتى شبرين/ اللوحات في الطريق/ الصور المليئة بالألوان…..كل شيء أصبح ضبابيًا! حتى أنني لم أتمكن من قراءة أي شيء اليوم، فقررت تجربة الاستماع إلى كتاب صوتي عبر أحد التطبيقات كنت متحمسة جدًا،! لدرجة أنني دفعت اشتراك الشهر الأول ههههه.

بدأت بالاستماع إلى رواية “الأبله” لـ ديستويفسكي، التي قرأتها منذ زمن وأردت أن أستمتع بها مرة أخرى. أعجبني أسلوب القارئ في الإلقاء ووضوح نطقه، وكنت أتمنى لو استطعت الاستماع إليها بينما أعمل في المنزل لكن الوضع يشبه كما لو كنت أقرأ يجب أن أكون في مكان هادئ ولدي وقت فراغ طويل < “افتقدته هذا الوقت منذ زمن طويل”  كيف يمكن أن تستمتع بكتاب وأنت محاط بالفوضى؟ يبدو أن لا شيء يفوق متعة القراءة الفعلية، حيث تنغمس في كل تفصيل وكلمة .

وهكذا، وجدت نفسي في صراع بين متطلبات الحياة اليومية وعيوني المُرهقة والضعيفة ورغبتي في الانغماس في الكتب التي تمنحني بعضًا من السكينة.

فات الأوان !

إن الالتفاتة التي تأتي بعد فوات الأوان مهما بدت صادقة أو عميقة، لا يمكن أن تلامس قلبي الذي اعتاد الصمت بعد أن أرهقته الانتظارات الطويلة.
نحن في أعماقنا كائنات متعطشة للحظات صادقة تأتي في أوانها، و للحضور الذي يأتي حين نحتاج إليه ..! الكلمات التي تُقال بعد مرور مدّة من الزمن ليست سوى أصداء خافتة، تُسمَع لكنها لا تُحَس..! تلك الكلمات مهما كانت منتقاة أو مشبعة بالعاطفة، تفقد ثقلها عندما تصل متأخرة! وكأنها عبء آخر يُلقى على كاهل القلب بدلًا من أن تكون بلسمًا لجراحه.

وبالنسبة للاعتذار المتأخر! الذي يصل بعد أن تنطفئ الأضواء ويُغلق المسرح، فإنه يطفو على سطح القلب و لا يملك من القوة ما يكفي ليغوص في الأعماق .
إن ما ينطق به الإنسان حين يكون وقته قد انقضى، ليس إلا همسًا يتلاشى في الفراغ إنه صوت بلا صدى، خالٍ من الأثر الذي كان يمكن له أن يتركه لو قيل في اللحظة الصحيحة! لأن الكلمات مثل الأفعال ترتبط بزمانها ومكانها، ولا تُجدي نفعًا إذا انفصلت عن ذلك السياق الذي يمنحها قيمتها.

الحياة قصيرة…/ والزمن لا يرحم، وما يضيع منا من فرص للتعبير أو للتصحيح لا يعود…! لذلك ليست المسألة في القول أو الفعل! بل في التوقيت، أن تكون حاضرًا حين تحتاجك القلوب، أن تنطق حين تكون الكلمة علاجًا، وأن تبادر حين تكون المبادرة حياة ..! هذا هو الاختبار الحقيقي الذي قلّما نجتازه وقلما يغفره الزمن.