حتى إشعار آخر ….

كنت أظن أن الانشغال شكل من أشكال النجاة.
أن يمتلئ اليوم حتى حافته يعني أنني أمسك بالحياة من طرفها الصحيح، وأن اليدين حين تعملان، والعقل حين يركض، والقلب حين يؤجل رغباته الصغيرة، تصبح الأيام ذات معنى أوضح.

كبرت الفكرة في داخلي مع الوقت. صارت عادة، ثم صارت طباعًا. أفتح عيني على عمل ينتظرني، وأغلقهما على عمل آخر تركته للغد. وبين الفتح والإغماض، يمرّ النهار كقطار طويل، أسمع صوته، أرى ظله، وأبقى في مكاني، أرتب أوراقي، أجيب الرسائل، ألاحق موعدًا، أؤجل موعدًا، وأضع الراحة في آخر الدفتر.

كانت هناك أشياء صغيرة تحبني، وأنا أؤخر الوصول إليها.
مشوار قصير في شارع أعرفه، قهوة في مكان واسع، لقاء مع أشخاص يفتحون القلب، مساء يمر على مهل، احتفال بسبب صغير، ضحكة تنتهي من نفسها. كلها بقيت واقفة عند الباب، وأنا ألوّح لها من بعيد: بعد هذا العمل، بعد هذا المشروع، بعد هذه المرحلة، بعد أن يخفّ الحمل قليلًا.

ثم اكتشفت أن الحِمْل يعرف كيف يلد حِمْلًا آخر.
وأن العمل حين يأخذ مكانه في الوسط، يدفع كل شيء حوله إلى الأطراف. صرت أحضر في العالم كضيفة عابرة، وأقيم في الشغل كمنزل دائم. أعرف مواعيد التسليم أكثر من مواعيد الأصدقاء، وأعرف طريق المكتب أكثر من طريق الهواء الطلق، وأعرف تعبي معرفة حميمة، كأنه فرد من العائلة.

انسحابي من الناس حدث على مهل. بدأ باعتذار صغير، ثم تأجيل زيارة، ثم صمت طويل، ثم اتساع مسافة. صرت أفضّل العمل على الخروج، وأفضّل الإنجاز على الجلسة، وأفضّل أن أبقى قريبة من الأشياء التي أستطيع التحكم بها. في العمل ترتيب واضح، بداية ونهاية، ملف يُغلق، مهمة تُنجز، اسم يُكتب في قائمة. أما الراحة فتأتي واسعة، رخوة، وتطلب منّي أن أجلس مع نفسي، وأنا تعودت الهرب إلى الحركة.

صار الجلوس صعبًا علي.
أمدّ يدي إلى السكون فأرتبك. أبحث عن شيء أفعله، عن مهمة صغيرة، عن تفصيل مهمل، عن سبب يملأ الفراغ. كأن الفراغ مرآة، وكأنني أخشى أن أرى فيها امرأة تعبت من طول الوقوف.

ثم يأتي الندم، خفيفًا في البداية، ثم واضحًا مثل جملة مكتوبة على حائط. يأتي حين يهدأ البيت، حين تتوقف الأصوات، حين أسأل عمري أين ذهب. أراه في السنوات التي مرّت وأنا أقول: بعد قليل. أراه في المناسبات التي عبرت، في النزهات التي بقيت فكرة، في الأيام التي كان يمكن أن تكون أحنّ، في الراحة التي أجلتها حتى إشعار آخر.

العمر يمضي على غفلة. يمضي من غير ضجيج، من غير إعلان، ومن غير أن ينتظر أن ننهي أعمالنا. ونحن، في غمرة الانشغال، نغفل عن حقيقة بسيطة: أن الحياة تحتاج حضورًا، وأن الجسد يحتاج رفقًا، وأن الروح حين تؤجل طويلًا تبدأ في الابتعاد.

أريد أن أعود إلى نفسي كما يعود المسافر إلى بيت قديم.
أن أتعلم الجلوس من جديد، أن أترك يديّ فارغتين قليلًا، أن أمنح عقلي فسحة، أن أخرج في يوم عادي كأنه مناسبة، أن أحتفل بشيء صغير، أن أرى الناس من قرب، أن أستعيد وجهي من التعب.

أريد أن أصدق أن الراحة حق، وأنها جزء من العمل على الحياة. أريد أن أضع لها موعدًا واضحًا في أول الدفتر، لا في آخره. أريد أن أقول لنفسي: هنا، الآن، يكفي.
فهناك عمر يحدث في الخارج، وهناك قلب ينتظر أن يُدعى إلى حياته.

 

 

تدوينة كانت في المُعتقل لفترة طويلة و قررت أن أحررها اليوم .