في زوايا الذاكرة ثمة أصوات لا تغيب، وأحاديث تشبه رائحة الأرض بعد المطر. كبرتُ وفي أذنيّ صدى القصيد، وفي قلبي ميزانٌ من حكمة الأجداد. تلك الأمثال التي يلقيها كبارنا هي دساتير حياة، نُقشت في وجداننا قبل أن تُحفظ في صدورنا.
أتأملُ تلك الأيام التي جمعتنا مع أبي، والوقتُ يمرُّ عذباً ونحن نستمعُ لفن المحاورة، نرقبُ ذكاء الرد وسرعة البديهة، ونقلّبُ معه صفحات كتب القصائد التي كان يقتنيها بعناية، وكأننا نفتحُ خزائن من الذهب. حفظنا من تلك الدواوين جزالة ابن جدلان، وترفُّع السديري، وعزة نفس بندر بن سرور رحمهم الله، فصارت أبياتهم تجري في عروقنا.
وحين يأخذنا الشوقُ إلى جدتي، يكتملُ المشهدُ بصوت خلف بن هذال وهو يزلزلُ المنابر بحضوره، وبشاعرية الأمير خالد الفيصل التي ترسمُ الوجدان بالكلمات. كانت تلك الأمسيات طقساً من الحب، ومدرسةً ننهلُ منها رقة الحرف وقوة المعنى.
لقد عشنا في كنف بيئةٍ تُقدّر النبط، وترى في المَثَلِ فصلاً للخطاب. كنا نرقبُ بريق أعينهم وهم يقصّون علينا أسباب تلك الحكم، وكأنهم يمررون لنا أمانةً ثقيلة من التجارب. تلك القصص هي بوصلةٌ نسترشد بها حين تضيق المسالك.
اليوم، وفي خضم تسارع هذا العالم، قد تخفت تلك الكلمات في أحاديثنا، لكنها تظلُّ يقظةً في داخلي. تباغثني في المواقف الصعبة، وتهمس لي في لحظات الحيرة، فأجدني أستحضرُ بيتاً يختصرُ عناء الشرح. إنني أحملُ هذا الإرث كعقدٍ ثمين، وأرجو أن أكون جسراً يعبر من خلاله هذا البهاء إلى أطفالي، لتبقى هويتهم مغروسةً في تربةٍ من العز، تماماً كما غرسها الأوائل فينا.