أقفُ اليوم على عتبةِ الحرفِ من جديد، أحملُ معي حقائبَ الوقتِ التي امتلأت بغبارِ الغياب. أعودُ إلى هذا البياض، وفي صدري رغبةٌ قديمة في ترتيبِ الفوضى التي خلّفها الانقطاع الطويل.
لقد مضى زمنٌ كنتُ فيه أتنقلُ بين الألقابِ والأسماء، أبحثُ في كلِ كنيةٍ عن وجهٍ لا يشبهني، أو ربما عن ملاذٍ يسترُ حقيقتي. كانت تلك التنقلاتُ رحلةً دؤوبة في جغرافيا الهروب، محاولةً لترميمِ انكساراتِ الواقعِ بجمالياتِ العالمِ الافتراضي، حيثُ يمكننا أن نكونَ ما نشاء، وحيثُ تسكنُ أرواحنا بيوتاً من ضوءٍ وخيال.
لماذا “ذاكرة سائلة”؟ وجدتُ في هذا الاسمِ مرآةً لحالي. فالذاكرةُ حين تفيضُ عن حوافِ الكتمان تصبحُ نهراً، وحين ترفضُ القوالبَ الجامدة تصيرُ غيمة. أنا اليوم لا أبحثُ عن الثبات، بل أفتشُ عن الانسياب. أريدُ لذاكرتي أن تكونَ مادةً مرنة، تتشكلُ حسبَ اللحظة، وتنسكبُ في قوالبِ الكتابةِ دون أن تتجمد في هيئةٍ واحدة.
لقد أدركتُ أخيراً أنَّ الهروبَ لم يكن سوى طريقٍ طويلٍ للعودةِ إلى الذات. وأنَّ الألقابَ التي استعرتُها كانت محطاتِ استراحةٍ لروحٍ أتعبها السير. اليوم، أضعُ أثقالي هنا، في هذه المدونة، وأبدأُ رحلةً جديدة، لا أعدُ فيها بالبقاءِ الدائم، لكني أعدُ بالصدقِ في كل قطرةٍ تسيلُ من محبرةِ هذه الذاكرة.
