غيابةُ الوقت.. وحصادُ الطمأنينة

مرّ عام 2025 كأنه حلمٌ طويل، عبر من تحت أبوابي دون أن يترك أثراً لخططٍ مؤجلة أو إنجازاتٍ صاخبة، فكنتُ فيه الغريبة التي لم تخطط لشيء، والزاهدة التي لم تضف لنفسها جديداً. أجدني اليوم أتأملُ كفّي في ختام الرحلة! خاليةً من ضجيج التغيير، وهادئةً حدّ الذهول، كأنني عشتُ فصول السنة في غيبوبةٍ من الأحداث، أحاول استرجاع ملامح أيامها فتفرُّ مني الذاكرة، وأبحثُ عن وهج المشاعر التي عبرتني فلا أجدُ إلا ضباباً لطيفاً يغطي التفاصيل.

وسط هذا النسيان وهذا الغياب، يطفو الامتنانُ وحده كقارب نجاة، فأشكرُ الله الذي ألبسني ثوب العافية دون استحقاقٍ مني، ومنحني القدرة على التنفس بعمق والسير دون وجع. ممتنةٌ لله تعالى الذي حفظ لي عائلتي، وأبقى وجوههم حولي سياجاً من طمأنينة، فهم الحقيقةُ الوحيدة في عامٍ بدا وكأنه سراب. ربما لا أتذكر كل شيء من 2025، وربما سقطت سنواتي من مفكرة الوقت، غير أنني أقفُ الآن بقلبٍ سليم، وروحٍ مستورة، وجسدٍ معافى، وهذا يكفيني عن كل ما فات، وعن كل ما ضاع في غيابة الذاكرة.

وسنة سعيدة عليكم يا أصدقاء و كلها فرح وراحة بال يارب .

ذاكرةُ القصيد.. وجوهٌ لا تغيب

في زوايا الذاكرة ثمة أصوات لا تغيب، وأحاديث تشبه رائحة الأرض بعد المطر. كبرتُ وفي أذنيّ صدى القصيد، وفي قلبي ميزانٌ من حكمة الأجداد. تلك الأمثال التي يلقيها كبارنا هي دساتير حياة، نُقشت في وجداننا قبل أن تُحفظ في صدورنا.

أتأملُ تلك الأيام التي جمعتنا مع أبي، والوقتُ يمرُّ عذباً ونحن نستمعُ لفن المحاورة، نرقبُ ذكاء الرد وسرعة البديهة، ونقلّبُ معه صفحات كتب القصائد التي كان يقتنيها بعناية، وكأننا نفتحُ خزائن من الذهب. حفظنا من تلك الدواوين جزالة ابن جدلان، وترفُّع السديري، وعزة نفس بندر بن سرور رحمهم الله، فصارت أبياتهم تجري في عروقنا.

وحين يأخذنا الشوقُ إلى جدتي، يكتملُ المشهدُ بصوت خلف بن هذال وهو يزلزلُ المنابر بحضوره، وبشاعرية الأمير خالد الفيصل التي ترسمُ الوجدان بالكلمات. كانت تلك الأمسيات طقساً من الحب، ومدرسةً ننهلُ منها رقة الحرف وقوة المعنى.

لقد عشنا في كنف بيئةٍ تُقدّر النبط، وترى في المَثَلِ فصلاً للخطاب. كنا نرقبُ بريق أعينهم وهم يقصّون علينا أسباب تلك الحكم، وكأنهم يمررون لنا أمانةً ثقيلة من التجارب. تلك القصص هي بوصلةٌ نسترشد بها حين تضيق المسالك.

اليوم، وفي خضم تسارع هذا العالم، قد تخفت تلك الكلمات في أحاديثنا، لكنها تظلُّ يقظةً في داخلي. تباغثني في المواقف الصعبة، وتهمس لي في لحظات الحيرة، فأجدني أستحضرُ بيتاً يختصرُ عناء الشرح. إنني أحملُ هذا الإرث كعقدٍ ثمين، وأرجو أن أكون جسراً يعبر من خلاله هذا البهاء إلى أطفالي، لتبقى هويتهم مغروسةً في تربةٍ من العز، تماماً كما غرسها الأوائل فينا.

ذاكِرة المكَان

أجمل ما في كتابة النصوص الإعلانية هو اللحظة التي تخرج فيها الكلمة من كونها “مهمة عمل” لتصبح جزءاً من روحنا.

في تعاوني الأخير مع متجر مختارات مَثَل لتقويم ٢٠٢٦، كان الشعور مختلفاً. لم نكن نصيغ إعلاناً بقدر ما كنا نبحث عن معنى لهذا العام الجديد. اقترحتُ عليهم تسميته “ذاكرة المكان”؛ لأني أؤمن أن الأيام لا تمر في الفراغ، هي تسكن في الزوايا، وتلتصق بالجدران، وتعيش في كل مكان نضع فيه بصمتنا.

أن تشارك في تسمية منتج، وتكتب نصوصه بحب مع فريق يقدر قيمة الكلمة، هو ما يجعل العمل الإبداعي ممتعاً بحق. “ذاكرة المكان” صار الآن اسماً لعام كامل ينتظرنا، وأنا سعيدة جداً بهذا الأثر.


لا أعرف إن كان خبيثًا حقًا.!

كان يعرف كيف يدخل دون أن يُحدث صوتًا.
حتى نواياه كانت ترتدي نعالًا خفيفة.
يبتسم بطريقة تُشبه العتاب، ويتحدث كما لو أنه يعتذر عن شيء لم يحدث بعد.
في البداية تظنه طيبًا، أو على الأقل تظنه منشغلًا بنفسه، لكن بعد أيام تبدأ الأشياء حوله بالذبول، كما لو أن حضوره سحب منها الأوكسجين.

الخبيث لا يصرخ، ولا يخطئ أمام الناس.
هو دقّة في الصوت، تأخر بسيط في الرد، نظرة عابرة تُعيد ترتيبك من الداخل.
لا يُمسك عليه شيء، لكنه يُخلّف أثرًا يُشبه البرد حين يدخل من نافذة مغلقة.

ذات مساء، أدركتُ أن الشر لا يحتاج إلى أنياب.
يكفي أن يمرّ قربك، ويتركك تبرّر ما حدث وكأنك من صنعته.

اخترت أن يمثل هذا النص، طير البومة! لأن في عينيها شيئًا من فطنته، ذلك البريق الذي لا يُفرّق بين الحكمة والخبث .

كما لو أن اليوم انزلق دون أن يُسلّم عليّ

كان اليوم غريبًا…
كأنه مرّ من جانبي دون أن يلاحظني، كأنني كنت طيفًا في غرفة تنتظر أن يلتفت لها أحد.!

النهار قصير، يركض كأنه مستعجل من كل شيء، والليل! يا لطول هذا الليل, كأن الدقائق فيه تنام بين كل دقيقة ودقيقة.

أسهر حتى تلمسني نسمات هواء خفيفة، تربّت على كتفي وتقول: “اصبري، الشتاء قادم”!, وأنا أصدّقها كل مرة، أشتاق له كما لو أنني لم أعرفه من قبل، كأنه وعد لم يُوفَ به بعد.
كأنني سأراه هذه المرة بشكلٍ مختلف، أحبه بكل ما فيني , حتى إن جاءت معه شوكولاتة ساخنة تزيد وزني، لن ألوم نفسي .!
هذا الشتاء، أنا أحتاجه كاملًا، بثقله، ببرده، بشهيته المفتوحة.

أما اليوم , فقد حاولتُ أن أرتب كراكيب منزلي الصغير، رتبتها مساءً، واستيقظتُ فوجدتها تضحك عليّ. كأنها قررت أن تعود إلى حالتها السابقة عنادًا، أو ربما فقط عبثًا.

ولا أدري لماذا لم أعد أستطيع غسل الأواني دون صوت صاخب يملأ أذني..؟! سماعاتي تحميني من صوت “الواقع”،من رنين الزجاج، ومن فوضى الأفكار.

الأغاني العالية تشبهني مؤخرًا، ليست مرتبة، لكنها تؤدي المهمة ، تمحو التوتر، وتُغرق صحنًا بعد آخر .! وكأنها تقول لي: “ليست كل المعارك تحتاج صمتًا… بعضها يحتاج إيقاعًا”.

وهكذا مضى يومي، غريبًا، طويلًا، دافئ الشوق، مرتبك التفاصيل،
لكنه لي وأحبه كما هو.

إبريقٍ زجاجيٍّ أزرق .

كأنّ رأسي محشورٌ في إبريقٍ زجاجيٍّ أزرق.
كلّ شيءٍ من حولي يتحرّك ببطءٍ غريب، كأن الزمن يمشي على أطرافه لئلا يوقظني من هذا الصمت الثقيل.
أسمع الأصوات، لكنها بعيدة، كأنها تأتي من جهةٍ أخرى من الماء. أرى العالم، لكنه مائل قليلًا، مكسوّ بضبابٍ خفيف، وكأن بيني وبينه غشاءٌ من حزنٍ لا يُرى.

في الداخل هواءٌ قليل، ودوّامة من الأفكار تدور بلا مخرج.
أحاول أن أتنفّس، أن أقول شيئًا، أن أمدّ يدي خارج الزجاج، لكن كلّ ما يخرج هو بخارٌ على الجدار الشفّاف.
أمسحه بأصابعي فلا يزول.
أدرك أنني أنا الضباب، وأنا الإبريق، وأنا الرأس المحشور في الزرقة.

ما كل يومٍ للنشاما عيد .!

أقف أمام قولهم “ما كل يومٍ للنشاما عيد” كأن البدوي أراد أن يذكّرنا بميزان الحياة، بتلك الفجوة التي لا تملأها كثرة الأفراح ولا يداويها صخب الأيام! أتعجب من بساطة العبارة وعمقها معًا! كيف انبثقت من فمٍ أكلته الشمس والريح، لتُصبح حكمة تقف أمام أعقد الفلسفات.

هذا القول لا يطلب مجدًا ولا يبشّر بنصرٍ دائم..! إنّما يترك فرحته معلّقة في الهواء، مثل ظلّ عابرٍ في صحراء ممتدة. النشاما يعرفون أن العيد نادر، وأن الأيام تدور بلا زينة، وأن الفرح لا يُستدعى كما تُستدعى الخيول، إنّه يأتي متثاقلاً، كأنه عطية لا تُنال بسهولة..

ارغوان خسروى | Arghavan Khosravi

ثمة فنّان حين تقترب من عوالمه، لا يسألك أن تفهم، وإنما أن تقيم هناك قليلاً!! أن تتعلم الإصغاء للظل، وأن ترى اللون كما يُرى الجرح القديم حين يطلّ من تحت الجلد.

ارغوان خسروى هي فنانة تشكيلية إيرانية، وُلدت ونشأت في طهران، درست الفنون في إيران قبل أن تنتقل إلى الولايات المتحدة لتكمل دراستها في مدرسة رود آيلاند للتصميم.

أرى في فنّها نافذة تُطل على مكانٍ يتنفس فيه الضوء بصعوبة، وتتحرك فيه الألوان كما تتحرك الذكريات في قلبٍ لا يريد أن يتذكر.

في أعمالها يتعايش البعدان؛ عالمٌ خارجي مرتب كما ينبغي، وعالمٌ داخلي يفلت من يديك كلما حاولت الإمساك به! كأنها تقول إن الحكاية لا تُروى بلسانٍ واحد ولا في مساحةٍ واحدة، لكنها تسكن تلك المسافة الفاصلة بين إطار اللوحة وجدارك الداخلي!!! وعند تلك المسافة يقف المتفرج وحيداً، لا يملك سوى أن ينحني قليلاً ويصغي.

بعض من أعمالها التي أسرتني:

الكتابة كما النسيان… لا تُمحى.

أرسل لي ووردبريس اليوم تهنئة خافتة، كأنها تنهيدة طويلة “لقد سجّلت في ووردبريس منذ 12 عامًا.”

ابتسمتُ… ثم فكرت، أهي ذكرى أم عزاء؟

صفحاتي الأولى طارت. حذفتها يومًا ما، في لحظة تشبه قرارات النساء في المساءات الطويلة نثرٌ من الكلمات في قاع كوب قهوة لم يُكمَل، أو قصيدة لم تُطبع.
ولكن… ماذا يهم؟ فالأثر لا يُحذف، وإن غاب.

مدونتي القديمة تشبه مدينة هُدمت جدرانها، لكنّ رائحتها بقيت.
تشبه دفترًا لم أعد أملكه، لكن خطوط يدي ما زالت تذكر كيف كتبت.

لا أحتفل بمرور الأعوام، بل أحنّ إليها.
أحنّ لسيرين التي كانت تكتب، لتنقذ نفسها.

أعرفكِ.
عرفت عينيك قبل أن يُرسم هذا الضوء على جسدي.
كنتِ من حلم بي ذات مساء خريفي،
حين مللتِ كل الأجوبة.

أقف على الصدفة لا لأدلّك على الجمال،
بل لأقول إنني خرجت من شيء،
ولا أنتمي بعد لأي شيء.

لم أُولد من البحر كما قالت الأساطير،
بل من صمتٍ طويل، ومن رغبة أن أكون امرأة دون أن أُشرح أو أُمتدَح.
أنا لست رمزًا،
ولا استدعاءً للغواية،
أنا لحظة صدق.
وقفت هناك،
لأراكِ ترين نفسك، لا لتري جسدي.

لا تسألي: من هذه؟
اسألي: ماذا فيّ يشبهها؟

أعرف أنكِ تعبتِ من أن تكوني دائمًا “صورةً مناسبة”،
تُضاء جيدًا، وتُعلّق بإتقان.
لكن ما من أحدٍ سأل قلبك إن كان يريد ذلك.

في العزلة، وجدتُ أنني لا أحتاج جمهورًا،
ولا حتى خلاصًا.
يكفيني أن أكون شاهدةً على صمتي.

اكتبي، إن أردتِ،
لكن لا تكتبي عني.
اكتبي عن تلك اللحظة التي لم تقلقي فيها من نظرة أحد،
ووقفتِ كما أنتِ، لا أجمل، لا أنحف، لا أكثر حكمة.