ذابت ..!

يسألني طفلي : متى تذوب الشمس؟

في المرة الأولى صحّحت له الكلمة في رأسي، أراد أن يقول متى تغرب الشمس؟

ثم رأيتها بعينيه.

كانت الشمس في آخر النهار تنخفض ببطء، تفقد استدارتها عند حافة الأفق، ويسيل لونها على السماء. وحين اختفى آخر جزء منها..! قال مطمئنًا إلى دقة وصفه .. ذابت.

ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أستطيع أن أرى الغروب كما كنت أراه.

ثمة شيء في كلمة تذوب أكثر إيلامًا من تغرب !. الغروب له موعد، والشمس لها عودة مؤكدة في الصباح. أما الذوبان ففيه شيء من الفناء……! أن يبقى الشيء أمامك، لكنه يتناقص ، حتى لا تعرف في أي لحظة تحديدًا كفَّ عن أن يكون موجودًا.

ربما لهذا علقت الكلمة بي. لأن أشياء كثيرة في حياتنا لا تنتهي بالطريقة التي نظنها.

لا تغلق بابها وتمضي/ لا تعلن رحيلها/ لا تمنحنا لحظة واضحة نستطيع أن نشير إليها ونقول هنا انتهى كل شيء.

إنها تذوب.

تذوب الأيام التي ظننا أنها ستطول….. تذوب المراحل التي عشنا داخلها كأنها دائمة.! تذوب وجوه أحببناها في الذاكرة حتى نبدأ بالخوف من التفاصيل الصغيرة.

وحتى نحن….! نذوب قليلًا داخل حياتنا.

أعطي طفلي يومًا من عمري، ثم يومًا آخر….. أراقبه يكبر، ولا أستطيع أن أرى النمو لحظة حدوثه. أراه فقط بعد أن يكون قد حدث. قميص صار قصيرًا/  كلمة نطقها كاملة/ سؤال لم يكن يعرف كيف يسأله قبل شهر.

وفي كل مرة يكبر فيها، يختفي طفل أصغر كان موجودًا بالأمس.

ولا أحد يخبر الأم متى حدث ذلك بالضبط. ربما الأمومة كلها مشاهدة طويلة لأشياء تذوب أمامك بينما تحاولين الاحتفاظ بها.

اليد الصغيرة التي كانت تختبئ في يدك./ اللغة التي كانت تخطئ أسماء الأشياء/ الوجه الذي يتغير من صورة إلى أخرى دون أن تستأذنك السنوات.

لهذا لم أصحح له الكلمة. أحببت أن تظل الشمس تذوب في قاموسه قليلًا قبل أن يتعلم أنها «تغرب». أحببت خطأه الصغير، لأنه منحني اسمًا أدق لأشياء كثيرة لم أعرف يومًا كيف أسمّيها.

صار يسألني أحيانًا: ماما، متى تذوب الشمس؟

فأنظر إلى الضوء وهو يتراجع عن الغرفة، وإليه وهو يكبر أمامي من دون صوت : ليست الشمس وحدها يا صغيري.